محليات

وهبطت الطائرة..ذ/احمد سالم بن اكاه

كانت تدنو رويدا  رويدا حتى اقتربت  من الأرض ثم لامست عجلاتها مدرج المطار في حذر، ثم سارت عليه كعادتها، ثم استقرت في المكان الذي يجب أن تستقر فيه .

 لم تكن هذه أول مرة تقله الطائرة  من باريس متجهة إلى نواكشوط  لكنها كانت المرة الأخيرة ماذا حدث  ! ماذا حدث إذن ؟

كان ينزل من الطائرة قادما من فرنسا ذلك البلد الذي عاش فيه سنين عديدة من غرة عمره وريعان شبابه منكبا على الدرس و التحصيل حتى تسلح بالثقافة و المعارف الضرورية لتحقيق طموحاته التي كانت  دوما موضوع تفكيره. هل كان يفكر في مجرد الوصول  إلى السلطة فقط ؟  طبعا لا، هل كان يفكر في تحصيل المال؟ كلا و هيهات .

 كان يفكر في تحويل مجموعات عشائرية يسودها التشرذم و الجهل و الفقر و التناحر والتشاجر والنعرات القبلية  إلى  مجتمع مدني منظم  ومتعلم ينبذ الاتكالية  و يرفض الضعف و المذلة ، كان يطمح إلى بناء دولة ذات مصداقية على مساحة أرضية تزيد على مليون كيلومتر مربع في الوقت الذي لا يصل فيه عدد سكانها إلى مليون نسمة،  لكن هل كانت لديه الوسائل الكافية لذلك ؟ هل كانت لديه قوة عسكرية ؟ لا ، هل كانت لديه  قوة اقتصادية ؟ لا، هل كانت لديه الأطر الكافية للوصول إلى هذا الهدف  النبيل؟ لا ، إذن ما ذا كان عنده ؟ .

كانت لديه الشجاعة و التصميم و قوة الإيمان بالهدف الذي يطمح إلى تحقيقه و كانت  أمامه أطماع خارجية يريد أصحابها الاستيلاء على الرقعة الأرضية المترامية الأطراف التي يريد بناء الدولة عليها، لم تكن هذه الرقعة  الأرضية معمورة بل على العكس كانت شبه خالية إلا من مخيمات  متناثرة تنتقل طلبا للكلأ و الماء ، ماذا عمل إذن للوصول إلى هذا الهدف؟

لقد تحلى بالصمود و الحكمة و الانضباط و الصبر و الأمانة و بُعدِ النظر، و استطاع أن يبني عاصمة على مشارف المحيط الأطلسي  تحتوي على الوسائل الضرورية في مكان كان مرتعا لقطعان الماشية، و استطاع مع ذلك أن يخيب آمال  الطامعين في هذه الأرض و أن يحول مجتمعا عشائريا يسوده الجهل و التخلف و الاتكالية إلى  مجتمع مدني منظم و متحضر ومتعلم، كل هذا في فترة زمنية أقل من 18  سنة كانت كلها كفاحا و مثابرة و سعيا دؤوبا تحدوه الوطنية  الصادقة و العفة و الإباء  ، و لم  يكن مع ذلك لينسى قضايا عصره، كان يهتم  بقضايا القارة التي هو منها و بقضايا الدول و الشعوب العربية التي ينتمي إليها، وكان  أغلب حكامها لم يعترفوا به آنذاك  و كان يهتم بقضايا العالم  الثالث  الذي هو جزء منه، … و قد  عبر عنه رئيس دولة عظمى تعبيرا صادقا حين قال : <<إنه رئيس عظيم لبلد صغير >>  فما ذا حدث بعد ذلك ؟

لما كبر الصغار واشتدت سواعدهم و قويت شوكتهم  عقوه و خذلوه و أنكروا جميله، و قد كان صادقا إن هو تمثل بقول الشاعر :

أعلمه الرماية كل يوم             فلما اســتد ساعده رماني

وكم علمته نظم القوافي           فلما قال قافية هجـــــــاني

كما كان يستطيع أن يتمثل بقول الآخر:

ربيته حتى إذا  تمعددا   و صار نهدا كالحصان أجردا     كان جزائي بالعصى أن أجلدا

أو بقول أبي منازل في ابنه :

وكان له عندي إذا جاع أو بكى         مــن الزاد أحلى زادنا و أطــــــائبه

وربيته حــــــــــتى إذا ما تركـــــته          أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه

تخون مالي ظالما و لوى يدي         لوي يــــده الله الـــــــــذي هو غـــــــالــــــــــــــــــــــــــــبه

لكنه لم يعبأ بذلك و لم يندم على ما جرى و لم يحاول أبدا العودة إلى  السلطة لأنها لم تكن هدفه أصلا .

كيف كان ينزل من الطائرة قادما إلى نواكشوط ؟ و كيف نزل منها  هذه المرة ؟!  كان ينزل قبل هذه المرة في هندامه المعروف تعلو وجهه ابتسامة عريضة و قورة حيية  وجميلة، و كان مستقبلوه يستقبلونه بالهتافات  والتصفيق و الزغاريد ويلوحون له بالأيدي و المناديل ثم يستقل سيارة مكشوفة و هو يرد على  مستقبليه بأسلوبه الأبوي المألوف و كأنه يحتضنهم بين جوانحه و يَعدِهُم و عدا صادقا بأنه سوف يحقق لهم ما يريدون  إذا بقي  بينهم .

أما هذه المرة! فإنه ينزل من الطائرة وهو جثة هامدة مسجي في تابوت و الناس يستقبلونه في جو تسوده الكآبة و يملؤه الحزن قلوبهم تخشع وعيونهم تدمع  والحزن يعصر أكبادهم قائلين في خفوت : “إنا لله و إنا إليه راجعون ، هذا ما وعدنا الله و رسوله ، و صدق الله و رسوله” .

رب عفوا ورأفــــــــــــــتة و حنــــــانا                 بعدما الدفن إن أتى الملكان

على أن كفانا الهم أنك نازل                      بباب رحيم بالعبــاد جلــــــــــــــــيل

إن وطنك و مواطنيه لن ينسوك و سيظلون يذكرونك و يسألون الله لك الرحمة و أن يمن عليهم بمن هو مثلك إخلاصا و عفة و نزاهة، فمع السلام و في ذمة الله و إلى أن نلقاك في جنة الخلد.

نواكشوط 22 شعبان 1424  هـــــ  الموافق 17/10/2003

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق