عام

محمد فال محمد اطفل يكتب :هل هي حرب على الفساد… بأسلحةفاسدة??

الموريتاني بطبعه شخص بسيط يكشف كل ماعنده لأول قادم وفي أول لقاء،فهو سليل ثقافة الصحراء، التي تنجب شخصية بملامح سطحية، سريعة التأثر والتصديق والإنقياد. وبمثل هذه الشخصية الإنطباعية المفتونة بالكلمات، الممجدة لمظاهر القوة، المفتوحة على أربع جهات، مثل الخيمة والدراعة، درج الموريتانيون على تلقف الخطابات من منتخبيهم طافحة بالوعود،حافلة بالتعهدات، مغرية بالعيش الرغيد، والحياة الهنيئة،حدث ذلك مع كل أقطاب النظام العسكري، الذي يحكم البلاد منذ أواخر القرن الماضي. غير أن مختلف المرشحين الذين أصبحوا رؤساء، لم يوظفوا هذ البعد الفطري في الشخصية القاعدية الموريتانية مثلما وظفه الرئيسان الأخيران. الرئيس المنصرف محمد ولد عبد العزيز، والرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني. فقد استخدم الأول سلاح الكلمة بشكل كثيف ومؤثر، فدغدغ مشاعر الموريتانيين، وناغا أحلامهم بشعارات هزت صميم كيانهم الذي نخرته سني ولد الطايع، فكانت الخطب الرنانة عن مكافحة الفساد، ونعت الفاسدين بمختلف الأوصاف القادحة المنتقصة من مكانتهم، الفاضحة لأفعالهم،كافية لإدخاله قلوب الموريتانيين، وتمكينه من التلاعب بمشاعرهم، وبيعهم الوهم ردحا من الزمن، ثم جاء خلفه محمد ولد الشيخ الغزواني، محملا بمعجم لغوي جديد، افتتحه بصفحة تعهداتي، التي كانت مثل سفينة نوح حملت من كل زوجين اثنين. إن من يقرأ برنامج تعهداتي سيدرك بجلاء أن الفلسفة التي بني عليها هي تشخيص المشكلات، وعرض الحلول السحرية،وجرد أماني وأحلام وتطلعات الشعب ووضعهافي سلة واحدة،ثم التعهد بتحقيقها دفعة واحدة أيضا،فالقائمون على تصميم منصة البرنامج كانوا يضعون نصب أعينهم هدفا مركزيا هو اختطاف أنظار المواطن الموريتاني المثخن بجراح عشر سنوات من الخيبات والأحلام الضائعة،عبر مخاطبته بمايحب من معسول الكلام،ورسم صورة وردية لمستقبل زاهر، ينسيه بيت الأحزان الذي أقام فيه منذ الإستقلال. ثم شكلت مقولة تعهداتي منصة إنطلاق لشعارات متلاحقة لمعت في سماء الإعلام والسياسة من قبيل أولوياتي، وأولوياتي رقم1، وأولوياتي الموسعة، ثم بالون الإقلاع الإقتصادي الذي مثل أحدث موجة ضمن الرشقات الإنشائية التي تحلق بعيدا في الأعالي دون أن ينتج عنها أثر على أرض الواقع، أو يكون لها صدى في كهف حياته الذي لايدخله النور من بين يديه ولامن خلفه، وقد كانت مقولة الحرب على الفساد جزء من هذه الإستراتيجية العميقة للسيطرة على مقاليد الأمور، والظهور بمظهر مقنع، وفعلا تتم محاكمة عدد كبير من المسؤولين البارزين بمن فيهم الرئيس السابق، في هذ السياق، لكن أين ستصل هذه المحاكمات؟ وهل تستبطنها حقا إرادة الوصول إلى الحقيقة، واستعادة المسروقات، ومعاقبة المذنبين وتبرئة ساحة من لم تثبت عليه تهم الخيانة؟ ثم لماذا يستمر الفساد جنبا إلى جنب مع محاكمة الفاسدين، ولماذا يتم الإحتفاظ بالأشخاص الفاسدين، وتدويرهم، ولماذا لايحقق مع من وردت أسماؤهم في تقرير محكمة الحسابات وعزلهم ومعاقبتهم؟. إن بقاء هذه الأسئلة الشائكة دون جواب مقنع يلقي بظلال قاتمة من الشك على مجهود الحرب على الفساد،فإذا أضيف إلى ذلك تلك الباقة الضخمة من العناوين البراقة والجمل الإنشائية التي لم يلح لها رسم على واقع الناس، وكون الحرب المعلنة على الفساد تتم بأسلحة فاسدة، لأن أشخاصا لهم ماض سيء يديرونها، تكون المحصلة أن على النظام أن يثبت عمليا أنه لايتلاعب مجرد تلاعب بالألفاظ، معتمدا على ضعف ذاكرة الشعب وسرعة انقياده للكلمات والوعود.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق