عام

الروائي الموريتاني محمد عبد اللطيف..يمكن للشاعر أن يتحول إلى روائي بشروط..

الشاعر والروائي الموريتاني محمد عبد اللطيف:
الثقافة الموريتانية ابنة شرعية للثقافة العربية تاهت في الرمال منذ قرون!

السرد الموريتاني واسمي الشخصي كلاهما مازال مغمورا وغير جذاب!

تم التغرير بالشاعر حين أوحي إليه أنه سياسي!

الروائيون الذين يصدرون أعمالا كل سنة يتحولون إلى ديكور ثقافي موسمي

يمكن للشاعر أن يتحول إلى روائي بشروط..

دبي – محمد سالم القاضي (العالم الآن)

تتشرف صحيفة “العالم الآن” أن تقدم لقرائها الكرام مقابلة تسلط الضوء على المشهد الثقافي الموريتاني، في الشعر والسرد، في بعض الفواصل المتعلقة بحيثيات الوعي النقدي والفكري الذي يحاول بعض سفراء الثقافة المهتمين استنباته في بيئة بدوية كانت إلى العهد القريب لا ترى فضلا يذكر لأي مقاربة إبداعية لا تعتمد على المحاكاة واجترار الأنماط المعلبة التي حكمت مسار الشعر والنقد والفكر في فترات خلت.
يسعدنا أن يكون الضيف الذي سيثري هذه المساحة، ويتناول هذه القضايا ويعمق ربطها بسياقاتها الفكرية والأدبية هو الأديب الموريتاني وسفير الثقافة الشنقيطية الشاعر والكاتب محمد عبد اللطيف، فأهلا وسهلا به في فضاء هذ المنبر الاعلامي:

ومضات:

صحافي وكاتب وشاعر موريتاني ولد في مكة المكرمة عام 1976
يعمل في قناة العربية بدبي
مؤلفات:
شعر/ أبجديات أخرى 1997 قواف واصداء 2007
رواية/ تيرانجا 2013 كتاب الردة 2018
دراسات/ حكاية وطن مترب 2010
جوائز:
جائزة الإبداع العربي بالشارقة في الرواية 2013
جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية 2020

“العالم الآن”- بداية كيف تقدمون أنفسكم للقارئ العربي؟ وماهي أهم الروافد التي غذّت مشواركم الأدبي.

  • أهلا بكم، أنا كاتب موريتاني أحاول التعبير عن قناعاتي من خلال أنساق أدبية مختلفة، أبرزها الرواية، وهو المجال الذي أكرس له الكثير من الاهتمام، الروافد التي تغذي تجربتي المتواضعة متعددة، وفي مقدمتها الرافد السعودي الذي تكوّن منذ الصغر بحكم تنشئتي هناك، تحديدا في المدينة المنورة، حيث المؤثرات الحجازية تنغرز بعمق في ذائقتي ومفضلاتي، أيضا المكوّن التراثي الشنقيطي الذي اعتبر تجربتي أحد أشكاله الحديثة، وبالإجمال طالما كنت منفتحا على كل الثقافات المتاحة، وهي القيمة الأبرز التي أجهد في المحافظة عليها.

العالم الآن- يطلق على موريتانيا بلد المليون شاعر، فهل هو اسم على مسمى في نظركم؟

  • أعتقد أنه لقب مستحق مع بعض التفاصيل، فموريتانيا بمختلف مكوناتها البشرية تحتفي بالشعر، الشعر العربي المتفشي منذ قديم الزمان في التراث الشنقيطي، ومازال في ظل الدولة النسق الأدبي المفضل للنخبة، والشعر الحساني التقليدي الذي يخترق الطبقات وهو المساهم الأكبر في العدد المليوني من الشعراء، ووصل التنوع الشعري مدى جعل للمرأة نسقها الشعري الخاص المسمى بالتبراع، وهناك أيضا الشعر التعليمي والصوفي والتأريخي وغيره، ما أبرز تنوعا شعريا هائلا، ولا يمكن تجاهل ظاهرة الشعر البارزة في اللغات الوطنية الأخرى: البولار والسنونكي والولوف الذي منح البلد أسماء بارزة وعمالقة حصدوا تكريما إفريقيا وأوروبيا، أعتقد أن الوقت قد حان لنرفع العدد بواقعية ونقول بلد المليوني شاعر!

العالم الآن- كيف تقومون دور السفارة الثقافية التي يقوم بها بعض المثقفين الموريتانيين المغتربين؟

  • طالما كان الموريتانيون سفراء جيدين للثقافة عبر التاريخ، فالتراث يقدم نماذج رائعة، حتى طبعت الهجرة الشنقيطية للشرق الأوسط بطابع علمي؛ الآن للأسف نماذج كثيرة تطغى على المغتربين من المتزلفين ومرتزقة الثقافة تشوّه هذا التراث، أحيانا باسم جلب الدعم المادي للداخل وأحيانا بالتورّط في مشاكل لا دخل لنا بها وتجيير الثقافة المحلية بشكل تعسفي لأغراض آنية، في ظل انزواء السفراء الحقيقيين للثقافة في شرنقة من الإحساس بالسوء والامتهان.

العالم الآن- لماذا ظلت نبتة “الشعر الحر” عصيّة الغرس في موريتانيا؟

  • أعتقد أن هناك ممانعة تراثية، والرّهان الشنقيطي على التراث آخذ في الكسب، يلاحظ مؤخرا انتصار هذا النسق في مختلف الدول العربية، ومنذ عقد من الزمان يشهد العالم العربي عودة نحو النسق العمودي الخليلي واقتصار التجديد على المحتوى وليس الشكل، ورغم ذلك في موريتانيا هناك تجارب مميزة للشعر الحر وفق تحفّظ يستثني قصيدة النثر ويمنح بعض القبول لقصيدة التفعيلة.

العالم الآن- تجربتكم السردية التي تكللت بالتتويج والإشادة سبقتها تجربة شعرية أنتجت ديوانين فأي التجربتين الشعرية والسردية كانت أقدر على تفكيك الواقع الموريتاني ورصد أنساقه؟

  • لا شك أنني أجد في السرد المجال الحيوي للتعبير، منذ سنوات أعلنت توقفي عن كتابة الشعر، وطبعا لم أعلن براءتي منه، رغم آثامه وجهله، يظل مثيرا ومحببا، ويا للغرابة مع الأيام تغدو تلك الآثام والجهل مصدر الصبوة والشقوة.

العالم الآن- هل هناك تلازم بين الأديب الملتزم والإعلامي المهني؟

  • منذ سنوات أحاول فهم هذا المصطلح “الأديب الملتزم” ودون تعسف أشعر أنه مصطلح إديولوجي غير فني، فهو يعكس جرامشية واضحة من جهة إلزام الأديب برسالة وهدف، ما يحوله إلى لسان حال قضية أو جماعة، وهو ما أرفضه، فالشاعرمثلا لسان حال نفسه فحسب، والحديث نيابة عن الآخرين ربما يكون أكثر بغضا لدى الشاعر نفسه، أما الإعلام المهني فهو خرافة أخرى لا وجود لها، هناك الإعلام المحترف، وتعريف احترافيته يخضع هو الآخر لوجهات نظر المشاهدين، بهذه المحصلات السريعة نرى أن الأدب أدب والإعلام إعلام، وليس هناك سبب وجيه لإيجاد علاقة بينهما.

العالم الآن- كيف تفككون أبعاد المشهد الأدبي الموريتاني بوضع اليد على أماكن الخلل؟

  • أماكن الخلل كثيرة، والسبب الأول والأخير هو تردي الحال الاقتصادي، ليس للأدباء بل للجمهور، فالجمهور لا يصغي للأدباء لأنه لا يجد سعة في الوقت والجسم، مؤتمرات الأدب يحضرها الأدباء فقط عسى أن ينالوا مكافأة، أعتقد أنّ تحسّن الدخل سيفجر حالة نوستاليجيا تجاه التراث كفيلة بإنعاش الأدب.

العالم الآن- يحتدم الصراع الثقافي في المشهد الموريتاني بين “متأوربيين” يقطعون صلتهم بالتراث، ومتزمتين يقطعون صلتهم بالوافد، فما المخرج الآمن من هذ التعارض؟

  • طالما كانت هناك حالة صدام بين القديم والحديث، لا يمكن وصف الحداثيين بالأوروبيين، أصبح ذلك قديما، الوصف الصحيح هو تأثير العولمة وكفاح التراث، المتوقع أن يظل في المستقبل تراث وحداثة، طالما كان الأمر كذلك، في أحد المعابد قبل آلاف السنين كتب كاهن بحسرة وألم شكوى على جدار معبد ضد الحداثة الآثمة المتفشية في عصره والتي تتخطف الشباب، والأمر مازال قائما بشكل من الأشكال، المتوقع كذلك أن تتحول القطيعة والاحتراب إلى تناغم وتلاقح بين التراث والحداثة، وهذه حال مثالية تشكل بارقة أمل منشود.

العالم الآن- روايتكم “كتاب الردة” سبقتها أعمال سردية أخرى، لكنها تُوجت رغم ما أثارته من جدل فكري ونقدي، كيف تلخّص مغزاها وحمولة متخيلها السردي وطبيعة مجتمعها؟

  • رواية “كتاب الردة” كانت رهانا للخروج من جبة العمل السابق لها تيرانجا، لغة وروحا، وربما يرجع الفضل في نجاحها إلى المبدأ الذي قامت عليه الرواية السابقة لها، وهو الجرأة والحياد.
    أعتقد أن كتاب الردة رواية ناقشت باستفاضة مشاكل ملحة على مستوى الدين والتوجه وهو ما أغفلته بعض الأعمال مؤخرا، ورغم ذلك فأوجه القصور فيها ظاهرة للعيان، وهي تجربة مهمة لي شخصيا وحققت للسرد الموريتاني اعترافا عربيا مهما، لكن ذلك لا يخدع أحدا، فالسرد الموريتاني واسمي الشخصي كلاهما مازال مغمورا وغير جذاب خارج دولتنا البعيدة.

العالم الآن- مارأيكم في العلاقة بين الشاعر والسياسي؟

  • تراثيا كانت هناك علاقة مهمة بين هذين الشخصين الغريبين، مؤخرا ساد سوء الظن في نفس السياسي وأصبح متوجّسا فهو لم يعد يأمن حتى حاجبه، أما الشاعر فقد تم التغرير به حين أوحي إليه أنه سياسي على افتراض أن كلمة “سياسي” تشكل ثناءً؛ وهذا مظهر آخر للتغرير، لكن العلاقة بين الشخصين لم تعد محلّ نقاش فقد طرأت بدائل، وهنا عاد الشاعر كسيرا إلى محبوبته للتّغزل بها ليكتشف أن السياسي اختطفها أيضا!

العالم الآن- كيف تقوم المشهد النقدي في موريتانيا وهل هناك حركة نقدية في موريتانيا؟

  • لا أجد الرغبة في تقييم ما هو غير موجود، لم يستطع ذلك الغليظ المسمى النقد أن يطأ أرض الطرافة هناك، لهذا من الجيد أن نتحدث عن الشعر فحسب.

العالم الآن- كيف تنظر إلى مفهوم الإبداع في ظل كوفيد 19 وهل يعتبر الحظر والتباعد محفزين له؟

  • كانت ظروف الحجر الصحي رغم مأساويتها فرصة نادرة للكُتاب لإعادة تنظيم مناخهم، ولم تمض أشهر حتى بدأ الإنتاج في الظهور، وانتعشت المبيعات الإلكترونية وتوصيل الكتب بسبب ارتفاع اهتمام الناس بالقراءة، برزت أيضا المؤتمرات الافتراضية بكثرة ومجموعات القراءة، لهذا لم تكن الفترة الماضية مؤثرة على الإبداع بحجم تأثيرها على الاقتصاد من وجهة نظري.

العالم الآن- هل استفادت الثقافة المحلية من الثورة الرقمية كمًّا ونوعًا؟

  • الثورة الرقمية نظمت الكثير من الحقول وأتاحت الوصول للمخطوطات، مثلا المعهد الموريتاني للبحث العلمي الذي يتيح الآن الوصول رقميا إلى آلاف المخطوطات المحلية المتناثرة في المكتبات الأهلية القديمة عن طريق الميكرو فيلم، ولكن هذا الوصول ظلّ معروفا لدى المهتمين فحسب، أعتقد أن الساحة المحلية تشهد اهتماما مضاعفا بالمنتج الثقافي الالكتروني وسيتزايد باضطراد.

العالم الآن- كيف تنظر إلى الترجمة؟

  • الترجمة رافد مهم ووجودي للثقافة المحلية، في موريتانيا هناك اهتمام من جائزة شنقيط بالترجمة، لكن الملاحظ اقتصارها على الترجمة من اللغة الفرنسية غالبا بحكم التخصص، حتى أصبح الموريتانيون يترجمون التكنولوجيا الأميركية من الفرنسية، وهو ما يعني تكريسا للوساطة الثقافية، نحتاح إلى الوصول للأصل مباشرة في مختلف اللغات وهذا ما يعد به المستقبل.

العالم الآن- الثقافة الموريتانية ذات أبعاد عربية، إفريقية أمازيغية، هل تَعتبر هذ التنوع نعمة أم نقمة؟

  • تقع موريتانيا في منطقة تقاطع حضاري بين ثلاث ثقافات: العربية والأماريغية والإفريقية، إضافة إلى المد الفرنكفوني والتنوع الإثني، ما يعني فرصا افتراضية مضاعفة للنمو الثقافي، مازالت السياسة تختطف هذا التنوع، لِيَلد الأزمات العرقية والتوترات، ولكن الجهود الشابة تحاول اختراق البنى المنغلقة لمزيد من التلاقح الذي حُرم منه البلد لقرون بفعل العزلة الإثنية بين مكوناته، مؤخرا بدأت تظهر دارجة مدينية تمزج اللغات المحلية بالفرنسية وغيرها، وهو أمر على غرابته يوحي بإيجاد أرض مشتركة للجميع يمكن أن يؤسس لثقافة لا تعتمد على الإقصاء ولا تتمحور على الذات وتشترك فيها كافة الأنساق.

العالم الآن- كيف يمكن لمن بدأ موهبته من بوابة الشعر أن يتحول إلى لاعب ماهر للسرد؟

  • التحول من الشعر إلى السرد هو تحول فيزيائي وليس كيمائيا، بمعنى أن الشاعرية هي أهم ما يحب أن يبقى في الشاعر المتحول إلى روائي، لهذا نجد مقدرة الشعراء في السرد مضاعفة، ونجاح “الشعراء المتسردين” يبدو أكثر قابلية، وفق شروط منها تطويع اللغة وتنقيتها من مجازية الشعر واستعادة لياقة التواصل مع الناس والإصغاء للحياة والواقع، المهارات التي افتقدها الشاعر منذ دخل في عزلته.

العالم الآن- ماهي نصائحكم لمن يود كتابة رواية ناجحة من الشباب؟

  • لست مؤهلاً للنصح، لكنني كزميل لأولئك الشباب ألفتُ انتباهم إلى أهمية اختيار فكرة للعمل الروائي، فالفكر هو ما يرقى بالسرد، وهو أحد أوجه التميّز الواضحة للرواية، من المهم كذلك البحث المعمّق قبل الشروع في كتابة عمل، البحث عن المعلومات المهمة عن الناس والأرض والتاريخ والتطلعات، والاهتمام بالحوار ليكون متوافقا مع مستوى شخصيات العمل، وتجنّب المفاجأة، الرواية ليست فيلم أكشن والمفاجأة ليست ذات قيمة كثيرا، والاهتمام كذلك بشكل خاص بالخيال فالرواية بنت الخيال الذي ينبع من الواقع، من الاقتراحات المهمة أيضا عدم الاستعجال والتنقيح، فهي عمل طويل الأمد، الروائيون الذين يصدرون عملا كل عام يتحولون إلى ديكور ثقافي موسمي، من المهم كذلك إكمال التصور العام للرواية قبل البدء بها وترك التفاصيل لساعة الكتابة الملهمة، وأخيرا؛ الناشر الناشر.. سيدرك قيمة هذا الاقتراح الأخير الكاتب بعد بروز عمله، الناشر الجيد يختصر كثيرا من المتاعب.

العالم الآن- هل من كلمة تختمون بها هذ اللقاء؟

  • أشكركم في جريدة “العالم الآن”وأشكر الزميل محمد سالم القاضي على احترافيته وأسئلته المهنية وعلى هذه السانحة للحديث عن الثقافة الموريتانية التي تجد نفسها الآن في مرحلة تاريخية مليئة بفرص التواصل، الثقافة الموريتانية في شطرها العربي ابنة شرعية للثقافة العربية العريضة تاهت في الرمال منذ قرون، وطالما وصلت منها رسائل متقطعة لأمها على شكل أعلام مهاجرين في قرون متباعدة، الآن بحكم الحداثة تم لم شمل العائلة، والعزم أكيد لدى البنت العائدة على التأثير في عائلتها الكبيرة بإيجابية.
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق