عام

على صهوة المرسوم..”بورتريهات متقاطعة”الكاتب/محمد ولدحمدو


وزير بالصدفة..
في إحدى السنوات الأخيرة من حكم الرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطائع، كان أحد الدبلوماسيين الموريتانيين العاملين في الخارج في إجازته السنوية في نواكشوط، وقادته قدماه في أحد الأيام إلى مبنى وزارة الخارجية للسلام على زملائه، وربما تحريك بعض ملفاته العالقة منذ بعض الوقت، كما يحدث عادة لكل الموظفين خاصة العاملين في الخارج، الذين يحرمهم بعدهم من نواكشوط من التمكن من متابعة الكثير من ملفاتهم وأوراقهم الإدارية.
في الممر وهو يدلف نحو جناح أحد الفاعلين في الوزارة، التقى زميلا يعمل في إحدى المصالح المركزية بالوزارة، تعانقا وأخذا في تبادل الأخبار، وإذا بزميله يقول له.. أنا سأتقاعد في ظرف سنوات معدودة، و أملي أن أحظى بتحويلي لما تبقى لي من سنوات مستشارا في إحدى ممثليات البلاد في الخارج، علي أتمكن من تحسين وضعي، بعد سنواتي الطويلة هنا في النسيان.
وجد الدبلوماسي أن الحد الأدنى من التعاطف، يقتضي منه، وقد بسط له زميله واقعه أمامه، أن يسعى له بتحقيق هذا الطموح المشروع لدبلوماسي خدم طويلا في الوزارة، ومن حقه بل من قواعد التناوب المعروفة في مثل هذا النوع من الوظائف، أن يجد فرصته في العمل في الخارج، كما تحمل العمل لسنوات في الداخل.
وأوصل الرسالة لمن يمكن أن يحسم فيها،ومرت الأيام وصديقنا منسي في مكتب قصي في مصلحة هامشية في إدارة ثانوية، لم يذكره ذاكر ولم يزره زائر.
ستمر سنوات سياسية عصيبة على موريتانيا، انعكست بتأثيراتها المختلفة على حياة الناس، خاصة محدودي الدخل من الموظفين الصغار، ومنهم صاحبنا الذي يعيش ظروفا خاصة، تزيدها الالتزامات الاجتماعية التي لا حدود لها.
ذات يوم خريفي عادي جدا، أكلت الثورة في هدوء أحد أبنائها، ولم يكن ذلك الابن سوى رئيس الدولة معاوية ولد سيد أحمد الطائع، الذي نحي من السلطة، وأخذ مكانه مجلس عسكري ضم كبار الضباط في البلد.
وبدأ هذا المجلس في تشكيل حكومة تسير شؤون البلد، أرادها مدنية خالصة نتيجة طبائع المرحلة، فنحن في عام ألفين وخمسة، ولسنا في عام ثمانية وسبعين وتسعمائة وألف، حين كان اللون الكاكي طاغيا على الحكومة التي أعقبت الانقلاب على المرحوم المختار ولد داداه.
التفت أعضاء المجلس يمنة ويسرة، يبحثون عمن يدخلونهم في هذه الحكومة.
لم يكن ينقصهم المرشحون لحمل الحقائب، ولكن كانت هناك كما هو الحال في كل بلد، ضرورات التوازن العرقي والفئوي وحتى الجهوي، لابد من مراعاتها، حتى تكون الصورة تمثل كل موريتانيا، ولو شكليا على الأقل.
وربما يكون الشكل هو الأهم في نظر كثيرين..!
كان المكلفون بالملف يجهدون بحثا عن شخص بمواصفات محددة، وأخذوا يبحثون في دفاتر العناوين هنا وهناك.
وفي خضم هذا البحث، اتصل أحدهم بوزارة الخارجية يبحث عن شخص بهذه المواصفات، دون الإفصاح طبعا عن ما خلف ذلك.
تذكر المسؤول النافذ في الخارجية توصية زميله العامل في الخارج بشأن صاحبنا المنسي في الوزارة، ففكر في تقديمه، ربما يتيح له هذا الباب قليلا من الفائدة المادية والمعنوية، وبذلك يكون هو قد خدم زميله صاحب الأفضال عليه في الخارج، دون أن يعين المعني مستشارا في إحدى السفارات.
فكر سريعا، ورد على محاوره بأن هناك فعلا موظفا بهذه المواصفات في الوزارة، ولكنهم لا يعرفون مكان إقامته، وربما يكون الأفضل الانتظار إلى الغد، مع بداية الدوام الرسمي للتواصل معه.
جاء الرد من الجهة الأخرى مستعجلا التواصل مع المعني، لأن المهمة التي يريدونه لها، لا تحتمل التأخير.
أمام هذا الإلحاح، تكفل الرجل بربط الاتصال سريعا، وفق المتاح مع الشخص المطلوب..
في الجانب الآخر من الصورة، كان الرجل قد وصل إلى بيته المتواضع قبيل العصر، هناك في طرف قصي من نواكشوط، هذه العاصمة المهلهلة غير الودودة خاصة مع ذوي الدخل المحدود، وجلس كعادته بعد صلاة المغرب بين زوجاته الأربع – وفق تقليد شائع في بعض القوميات الموريتانية – يمارس سعادته المتاحة بالحديث إليهن، والإحساس بتنافسهن في التودد إليه، والتسابق لخدمته.
على الأقل في هذه المملكة الصغيرة هو السيد.. بدون منغصات، سوى هواجس ما بعد التقاعد الذي أصبح على الأبواب.
فجأة طُرق الباب.. وانفتح عن وجه يعرفه جيدا..
يتعلق الأمر بأحد عناصر التشريفات في الخارجية، لكن وجود عسكريين يرافقونه أربك صاحبنا، الذي فاجأته الزيارة.
تقدم إليه صاحب التشريفات، شارحا له الغرض من الزيارة،وطلب منه الاستعداد لمرافقتهم إلى الوزارة.
تذكر يومه وشريط أحداثه، متخوفا أن يكون هذا الاستدعاء مقدمة لعقوبة ماحقة بسبب خطأ أو تقصير من جانبه..
وهو يتهيأ لمرافقة زواره، شرد في حيثيات اليوم,,
تذكر كيف أكمل عمله الذي تعود أن يقوم به منذ عقدين تقريبا بدون أي حماس، أو على الأصح انتهى وقت الدوام، فهو ليس له عمل محدد، ومن النادر أن يكلف بأي شيء، وكل وقته في الدوام يقضيه متسكعا بين المكاتب، قبل أن يعود لقراءة جريدة الشعب الحكومية التي تصل الإدارة وفق اشتراك مجاني أو إلزامي.. كل صباح.
تذكر كيف قام من الغرفة التي يشترك فيها مع اثنين من زملائه، ثم سلك الممر الطويل المقفر في تلك الساعة المتأخرة، مارا أمام مكاتب بعض الزملاء، تبادل أطراف الحديث مع بعضهم، كانت كلها تتعلق بأخبار التطورات الأخيرة بعد الانقلاب الذي أنهى إحدى وعشرين سنة من حكم الرئيس معاوية ولد الطائع.
كانت أحاديثه وزملاؤه تدور حول آمال عامة في تحسين أوضاع الموظفين وزيادات معتبرة في رواتبهم..
ذلك أقصى ما يطمح إليه صاحبنا، ومن هم على شاكلته من المنسيين في مقابر الإدارة العمومية، حيث تذوب في هدوء كل المطامح، وتضمر الآمال وتتراجع..
دلف في ممر ثان، خارجا نحو البهو الخارجي للوزارة..
ثم تذكر كيف خرج من مبنى الوزارة العتيق.. قبل أن يجد زميلا له أفضل منه وضعا، يملك سيارة، قد تكون متواضعة دون شك، لكنها تسعى على أربع عجلات، وهذا هو المهم، حمله وأوصله إلى منطقة اكلينيك، ومن هناك تدبر أمره، كما يفعل كل يوم تقريبا، ليصل حي الكوفة.
توالت التفاصيل على صاحبنا المرتبك وهو يهيئ نفسه على عجل لمقابلة لا يعرف إلى ماذا ستؤول، عله يجد فيها تفسيرا لهذا الاستدعاء المفاجئ، واستعرض في عجل، كل كلمة قالها ذلك اليوم، متوجسا أن يكون لسانه سيقوده إلى حتفه، خاصة أن البلد داخل في مرحلة سياسية جديدة، لم تنكشف معالمها بعد بالكامل، والتوجس في هذا النوع من الظروف هو الأولى.
وصل صاحبنا مبنى الخارجية مرتبكا خائفا لا يعرف إلى أين ستقوده قدماه تلك الليلة.
بعد قليل ستأتي سيارة من التشريفات لتحمله إلى مبنى الحكومة.
و لن ينام صاحبنا تلك الليلة إلا وتحت وسادته في حي الكوفة الشعبي والمهمل، مفاتيح وزارة خدمية مهمة!!
على غرابة بعض أطوراها هي قصة من الواقع.. مع كثير من التلخيص والإيجاز!!

………. البحث عن وزير بالهاتف..
في إحدى ليالي نواكشوط المزدحمة بالنذر، والمفعمة بالغيوم الملبدة بالغيوم التي لا تمطر غالبا، تداخلت خطوط الهاتف في تلك الليلة بين جنيف وبروكسيل ونواكشوط.
توالت كلمات متطايرة عبر الهاتف من نواكشوط إلى بروكسيل: الجماعة هنا يريدون وزيرا ينتمي للقبيلة الفلانية، ولذلك جئت أطلب منك أن تعيننا.
ويجتهد صاحبنا رغم تأخر الوقت، وفوارق التوقيت، وتأثير ذلك على من أيقظته مكالمة هاتفية في ساعة متأخرة..
ويجهد في الاختيار، ثم يخرج بعد تقليب النظر في عدة اتجاهات، عدة حالات تنطبق عليها المعايير.
يغلق الخط، وبعد هنيهة تعاود نواكشوط الاتصال.
الجماعة يقولون إن الاختيار جيد، لكنهم يريدون الوزير المقبل من منطقة شرق المدينة الفلانية، حتى يجمع بين تمثيل الشريحة والولاية الفلانية.
يسود صمت قصير، ثم يعاود صاحبنا التفكير بصوت مسموع، مستعرضا عدة أسماء، فيقع اختياره على أفضلها بسحب تصوره، وهو تصور تتقاطع فيه عدة اعتبارات، تتذيلها المعايير الموضوعية.
مع تسلل النعاس مجددا لجفون صاحبنا، محل ثقة القيادة الجديدة، وهو يتململ في فراشه في عاصمة أوروبية ناعسة، كانت ملابس وزير تخاط على مقاس شخص في أبوجا هناك في الجزء القلق من العالم.

……. القادمة من صالون التجميل..
كانت تلك السيدة قد اعتادت العيش بهدوء، وفق برنامج ثابت يكاد لا يتغير فيه أي تفصيل مهما كان صغيرا، منذ نحو عشر سنوات، لكنها لم تكن تعلم وهي تفتح صالون التجميل الصغير في ركن منزلها، في ذلك المساء، الذي هبت فيها التيارات البحرية أقوى من الأيام الأخيرة، أن حدثا كبيرا ينتظرها بعد قليل.
انتقلت بخطوات من داخل منزلها لتفتح الباب الخارجي للمحل المقام في ركن مسكنها على ناصية الشارع، بعد ما أكملت واجباتها المنزلية، ومنحت جسدها قليلا من الاسترخاء بعد ساعات ما قبل الظهيرة التي قضتها في المدرسة التي تعمل بها مدرسة للقسم الخامس الابتدائي، والواقعة على بعد عشرات الأمتار من هنا في حي الميناء المصاقب لمرفأ نواكشوط القديم.
كانت حياتها مقسمة منذ عقد من الزمن بين المدرسة والبيت والصالون الصغير، تمر أيامها عادية متتالية، تذهب صباحا للمدرسة، و تجد في ساعات ما بعد الظهيرة، فرصة لفتح صالونها الصغير في زاوية من البيت لاستقبال زبونات تملأ وقتها بتصفيف شعورهن، بما يعود عليها بدخل يساعدها مع راتب التدريس في مواجهة أيام الشهر الطويلة ومتطلبات الحياة المتعددة.
كان هذا العالم الصغير هو كل حياتها، أما ما يدور خارجه في العالم والبلد الرحب من حولها، فلا يعنيها بل تصل أخباره أذنها اليمنى لتخرج مع الهواء من الأخرى.
رن هاتفها الخلوي الذي اقتنته قبل أشهر، بعد جهد جهيد، بفضل اقتطاعات في عدة بنود من الميزانية الصغيرة القلقة دائما، وتضحيات على جبهات متعددة في مقدمتها وجبة الفطور وبعض مخصصات تفتيح البشرة والاقتصار على ملحفتين فقط على مدى أشهر متتالية.
على الطرف الآخر صديقة الطفولة وواحدة من صديقات قليلات أبقت على صلة بهن منذ أيام الصبا، زوجها تصل أقدامه محيط قصر أم ركبة، كل يوم، ويجوس بسمعه في كل مكان، ولسانه سلاحه الذي يفتح له الأبواب ويضمن له بعض الحظوة والتأثير.
بدت نبرة صاحبتها جدية و”موثوقة” على خلاف العادي في مكالماتهما الهاتفية القليلة، طلبت منها دون مواربة الاستعداد فستمر بها بعد قليل مع والد الأطفال لــ”مشوار مهم”.
حاولت صاحبتنا أن تتحجج بالمشاغل والالتزامات، وفكرت في حاجتها لكل وقتها لتعويض خسائرها جراء ثمن الهاتف المرهق، الذي لم تتعاف ميزانيتها بعده حتى الآن، وقالت بينها ونفسها ماذا سيحصل إذا طرقت زبونات باب الصالون الصغير، ولم يجدنني، ثم توالت عليها الأفكار، وهي تحاول إقناع صديقتها بتأجيل المشوار ليوم آخر، فتراءت لها الزبونات يتاقطرن على صاحبة الصالون المجاور الواقع هناك برأس الشارع المترب، وهي تضيع وقتها بمرافقة سيدة يعيش زوجها من “نقل الكلام”.
كادت تعتذر، لكن إلحاح الصديقة لم يترك لها فرصة، فقد أغلقت الخط، وقالت لها بحسم وحزم، كوني جاهزة بعد ساعة على أبعد حد.
مضت دقائق سريعة عليها وهي تقلب الاحتمالات في ذهنها، هل تريدني صديقتي لأحضر معها حل زفاف صديقة مشتركة، لكنها أبعدت هذا الاحتمال بتبريرات متعددة، ثم غلب توقعها أن يكون زوجها يستقبل زوارا يريد توثيق الصلة بهم عل ذلك يفتح له المزيد من أبواب التأثير.
وتريدها صديقتها أن تساعدها في الضيافة والتهيئة اللائقة لاستقبال الضيوف.
أغلقت المحل الصغير، فيما انطلقت داخلة إلى البيت المتواضع، وبدأت في التفكير في الملحفة المناسبة للمشوار المهم، ووقع اختيارها أخيرا على ملحفة بألوان هادئة تليق بمربية أجيال وسيدة محترمة ترافق صديقتها في سياق اجتماعي محافظ يدقق في كل شيء.
هناك في قلب نواكشوط في مينى الوزارة الأولى، كانت قائمة أعضاء الحكومة تكاد تكون جاهزة، لا ينقصها سوى اسم واحد تقتضى التوازنات المرعية أن يكون سيدة، والأفضل أن تكون تلك السيدة من المجموعة الفلانية، وحبذا لو كان مسقط رأسها في الولاية الفلانية وبمواصفات “لونية” معينة.
كانت صاحبتنا التي كادت تعتذر عن “المشوار المهم” هي العينة التي تجمع هذه التشكيلة الكميائية المتنافرة والتي يصعب جمعها في شخص واحد.
لم تعد صاحبتنا لتفقد صالونها وبيتها الصغير ومدرستها الهادئة، فستمضي في “المشوار المهم” ولن يبقى لها وقت لأي شيء من ذلك.
…… نماذج متفرقة…
تذكر كل ساكنة نواكشوط ذلك الوزير رقي للمنصب، دون تمهيد، من خطة متواضعة في إحدى المؤسسات التي تسير مطارا مغمورا على خارطة النقل العالمي، وذاك السيد الذي وجد نفسه سفيرا فوق العادة وكامل السلطة في عاصمة عريقة، وهو القادم لتوه من إدارة صغيرة في بلدة ريفية منسية، وسيجد نفسه مضطرا لملء وقت السفارة بتعلم أساسيات الإتكيت الرسمي بدءا بوضع الكرافات.. وليس انتهاء باستعمال الشوكة والملعقة!!
هؤلاء وأولئك لم يات بهم شخص واحد، ولا نظام سياسي، ولم تدفعهم قبيلة ولا عرق ولا جهة، ولكن جاءت بهم هذه القوة الخارقة التي تفعل المستحيل، التي تسللت إلى حياتنا العامة دون اكثرات منا، وأضحت وسيلة الترقي الوظيفي الوحيدة المتاحة والفاعلة،وغير الخاضعة لأي نواميس ولا ضوابط، وتكاد تكون مفتاحا لتغيير الحال من حال إلى حال..
إنها المرسوم!!
المرسوم كلمة دخيلة على اللغة العربية، وهي كذلك دخيلة على حياتنا، ولكنها دخلت علينا مع الحياة العصرية، وكما يفعل فينا الأجانب كما يشاؤون، فقد مضت الكلمة تفعل بنا ما تشاء دون رقيب.
وفي كل التشكيلات الحكومية خلال العقود الأخيرة هناك عدد من الوزراء جاءت بهم الصدفة على ظهر مرسوم، مرات تحت عنوان التوازن العرقي أوالتكافؤ الجهوي أو تلبية لقوانين “الكوتا الجندرية” لصالح النساء على سبيل المثال.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق