أدبيات

أدب الإدارة..للكاتب:يعقوب بن اليدالي


من النادر أن تجمع السير الذاتية لموظفي المفازة بين العمل في ولايات الحضر والفيافي مع تذوق الأدب و سبك القوافي.
و رغم وجود ثلة من الأولين وقليل من الآخرين إلا أن ذلك يبقى بمثابة الشذوذ الذي يؤكد القاعدة.
ويعتبر الإداري محمد يحي بن أغمي من الذين جمعوا بين الإدارة الرسمية الصارمة، و الإرادة الشعرية المرهفة، وقد التقيت به مرة في مباني مقاطعة كوبني- أثناء قيامي بمهمة تتعلق بالعمل – فأصر على أن “نكصر معه الوغرة ” و دارت الكؤوس سريعا، وبدا حديث الرجل ماتعا بديعا، ولاحظت أنه أديب و قاص من الطراز الرفيع، فحديثه شجون؛ يربطه خيط ناظم هو الأدب الرفيع، يتحفك بسياق النص قبل أن يرويه بالمعنى، فلا يتوقف عند نهاية كل تافلويت كما يفعل “الوزانة”، و رغم تلهفي للقاء هذا الصنف من الشخصيات ” اللي تنتر امن اظف” لكن الجلوس معها يكلفني مجهودا ذهنيا كبيرا، حيث أقوم بتفعيل جميع الحواس والملكات الذهنية حتى أضبط و أحفظ بعض النكت و الدرر التي سيجري ذكرها تصريحا أو تلميحا، إذ ليس من اللباقة أن تقاطع محدثك طالبا منه إعادة سرد نكتة لكتابتها، و لكن ما لايدرك كله لا يترك جله كما يقولون.
طلبت منه أن يتحفني بنص من إنتاجه يتعلق بعمله الإداري لأنه غرض قليل الطروق ؛ حيث يكتفي الموظفون في أدبياتهم الإدارية بالتقارير والمحاضر، و نادرا ما يسجلون انطباعاتهم في الأوعية والقوالب الشعرية.
سكت قليلا ثم قال لي لقد تذكرت خاطرة سجلتها منذ سنوات؛ عندما كنت أعمل مساعدا لوالي لعصابة، حيث تم تحويل حاكم مقاطعة بومديد ، وعهد إلي بتسيير أمورها في انتظار أن تعين لها الوزارة حاكما جديدا، فأصبحت أزاول العملين معا. و مرت الشهور وطال الأمر و نالت كل المقاطعات قطها من ميزانيات التسيير المعروفة ب “اكردي” فسألت الوالي مستفهما عن السبب في تأخر “اكردي” مقاطعة بومديد ، لأنه لا يمكن تسيير مقاطعة من دون ميزانية للصرف، فقال لي إن الحاكمين السابق واللاحق تركا تركة مثقلة بالديون، و بما أن الولاية ملزمة بالسداد؛ لأن المقاطعة شخصية اعتبارية فإنه قرر أن يشرف بنفسه على الوفاء بالالتزامات التعاقدية، عبر الميزانية المخصصة للمقاطعة، يقول محدثي فخرجت من عنده أضرب أخماسا بأسداس، و كتبت النص التالي:

لشهر ماهم كاع إكلال* إفبمد انزاول لعمال ابلا حاكم والفيه اكبال* من مشاكل يوالالي
أباذل جهد افذاك المجال * وامكسل كنت افتكسالي عني من قراين لحوال* بمد اكرديه ألا لي
وامنين إعل ذاك التكسال * اجبيت اجبرتو خيالي ش كالول نوح امش بيه*
أشي كالو بيه امش عال
أذاك العالي فم أخبر فيه *** وللي ينفع فيه العالي

يظهر النص بجلاء تمكن الإداري الأديب من ناصية شعر الحسانية ..وقد تجلى ذلك في عدوله عن تصغير اسم المقاطعة تناغما مع موسيقى لبتيت التام، وكذلك توظيفه لعبارة “اكردي” دون ترجمتها نظرا لانسيابتها وشيوعها في القاموس الإداري المحلي ، كما لا يخفى ما في خاتمة النص من توظيف و إسقاط لإحدى أمات لبتيت الشهيرة، و قد تعمد الشاعر اختيار اسم العالي للتناغم مع الروي من جهة، و لسهولة تصحيفه من جهة أخرى وفي ذلك نكتة أعرضنا عن التعرض لها خوف الإطالة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق