عام

غربا..جهة القلب..للكاتب:محمد-بابا

غرباًجهةالقلب

يحدثُ أن تبحث عن مقهى مطل غرباً تحديداً، في أقصى الجهة الغربية من حي منعزل مشرف على خواء، لا يشبه إلا ظمأ روحك لأمكنة كهذه ترقدُ بعيداً في الذاكرة..فيستيقظُ القلب، وأنت تغمره بهذا الخواء الممتلئ..

كثيراً ما كافأت نفسي وقلبي، بمثل هذه الجولات الصغيرة على الحواف الغربية للمدن والأحياء، أبحثُ عن مثل هذه الأمكنة، وبعض الناس – وأنا منهم – تجدد طاقتها وتنشط شجونها وشغفها عبر الذاكرة والأمكنة والأشياء..

علاقتي بالجهة الغربية من الأحياء والمدن لم تبح لي بسرها، لكن بعيداً ما في مكان من الطفولة والحياة، ثمة شيء يوحي بتلك المحبة وذلك الارتباط، فمنذ وعيتُ الجهات ككل الأطفال أدركتُ أن الغرب ، من خلال باب دارنا، هو نافذتي الكبيرة على العالم..فبيتنا الأول والحالي يطل غرباً..في السابق لم يكن يطل على غير الخواء، ككل البيوت التي لا تربط بينها حواجز، وحين افتتح شارع الرابع والعشرين الشهير في نواكشوط كان بيتنا أول بيت يخطط على ناصيته ليطل غرباً ..كانت زواريب البيت مفتاحي الكبير على باب الدنيا..

لاحقاً وفِي عمر السادسة، كانت مغامراتي الأولى خارج أسوار البيت جهة الغرب أيضاً، أسير لأكثر من كيلومتر إلى مدرسة “السلام” العريقة في الجهة الغربية من حي تنسويلم، والتي يطل بابها على الغرب أيضاً، منفذاً على حياة أخرى لم أتعرف عليها إلا هناك؛ البائعات الجائلات وصحونهن الساخنة يغمرننا بها، ولعب وضجيج مقتطع ضحوة كل صباح في الفسحة اليومية للحصص..

لقد تجرأتُ ذات يوم، خلال إحدى تلك الفُسح، وتوغلت في الأحياء غرب المدرسة، مع أحد زملائي، اسمه سيد أحمد “شنگم ” (بمعنى العلكة)، ولا أعرف لماذا ألصق به الأطفال هذا اللقب، كان صديقاً ظريفاً ومحبوباً وقد سحبني إلى الغرب، في مغامرة لا تشبهها مغامرة..

لقد تطور الأمر لاحقاً إلى استكشافات أكثر، وتجربة لبن إبل سائغ، رفقة صديق طفولة آخر – نسيت اسمه لأنه لم يدرس معنا فترة طويلة – مازال طعم ذلك الحليب في فمي، لقد كان في عزبة بدوية لأحد ذويه، تسرح إبلها على الحواف الغربية للحي، وتطل غرباً على أحراش حائط المطار القديم، المفتوح على الخواء الواسع، كنّا مجموعة أطفال، أتذكر منهم طفل اسمه ولد التونسي وآخر اسمه ولد عيلال ولا أعرف أين هما الآن..

في البيت؛ كنتُ أراقب والدي، كان يذهب دائماً جهة الغرب أيضاً، جهة المدينة والحياة، ويعودُ متأبطاً الصحف والمجلات والكتب، أصبح الغرب كتاباً للروح، طالعت من خلاله العالم، وتعرفت على معارف جديدة، وجربت ذات يوم الذهاب هناك، تجرأت أكثر مع بعض أطفال الحي إلى الوصول إلى “كلينيك”، كانت مغامرة بعيدة، تسكعنا حوله وصعدنا مدرجات عيادات الأسنان ومكاتب المحامين، نرن أجراسهم ونطلق سيقاننا للريح، نتجول بين محلات الأسواق القريبة تزكم أنوفنا رائحة صالونات الحناء وتملأ آذاننا أصوات “استندرات” وضجيج الباعة، وكانت ملحمتنا الكبرى هنالك حين ربطنا صداقة مع بائع كتب حذوه، غيرت مجرى حياتنا، ازددنا تعلقاً بالقراءة، وأصبحنا نتبادل القصص والمغامرات، ولا يطيب لنا البال إلا إذا استعرنا كمية كتب جديدة من أحمد، صاحب كشك السلام، في الظل الغربي لبناية عتيقة وسط المدينة…

في المراهقة امتلكت عائلتي بيتاً جديداِ في سوكوجيم “بي أس”، كانت مغامرة غربية أخرى فريدة، أصبحت في قلب المدينة، وخبرتُ تجارب أخرى، فأطفال سوكوجيم ويافعيهم أغلب مغامراتهم غربية، جهة أكوام المانغو وشاحنات الطماطم التي تفرغ حمولتها في سوق مسجد المغرب، ويوم الجمعة هو يومنا الكبير، الذي نختم مغامرات الصباح فيه برش الماء على وجوهنا وأجسامنا في ميضأة المسجد الغربية، ونختبر برودة الرخام في فضاءاته المزوقة بالفسيفساء الأندلسية العجيبة، وفِي العصير تحلو لنا الفرجة في صالات دار الشباب الجديدة، وما تحفل به من ألعاب وأنشطة وفنون..نختمها أصيلاً، حين تتحول سحناتنا إلى لون برتقالي و أشعة شمس الغروب تلفحنا على المدرجات فنخرج من بابها الغربي تقتفي خطوات المساء إلى بيوتنا..

كان المحيط الأطلسي، مغامرتي الغربية الكبرى، مازلت احتفظ بذكريات البحر الأولى، وطعم شرقة الماء بين المناخر والفم، ورائحة الملح والأعشاب البحرية الطرية، والسمك المشوي ورائحته ولزوجة الماء والمحار والرمل..لم أكن أعي ما وراء هذا البحر..لكن كان بوسعي تخيل عوالم عديدة من قراءاتي الفتية، وهو أمر تكرر أيضاً في حاضرتنا الريفية، حين خرجنا إلى البادية أول مرة، ونصبنا خيمتنا مفتوحة على البراري شمال غرب الحي، وكنت أقرأ قصصي وكتبي مستعينا بذلك الفضاء المفتوح، الذي يساعدني على التخيل والتصور الحميم والقريب من القلب..

كنتّ حين أضيع دائما ما أذهب غرباً، وحتى حينا أسكن حياً جديدا أو أزور مدينة غريبة علي، أتخيلُ الجهة الغربية على مزاجي، بيت عائلتي ما زال يطل غرباً، وبيتي الذي اشتريتُ يطل على الغرب أيضاً، لذلك أنا مدين لهذه الجهة الأثيرة في حياتي..ومازلت أَجِد الراحة كلما عثرت على مقهى يطل على الغرب تحديداً، في أقصى الجهة الغربية من حي منعزل مشرف على خواء يملأ الروح…

محمد_بابا

دبي، 29 أغسطس 2020

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق