المعالجات

نحو منابع الوهم..تحت “البحر الاخظر!!”بقلم :محمد ولد حمدو

المشهد: رسميون يصلون مطار نواكشوط الصغير ساعة الضحى، في غير الموعد التقليدي شبه الدائم للرحلات القليلة التي تحط عادة في الأغلب بهذا المطار المقفر، أو تغادره، في ساعات الليل المتأخرة أو ساعات الفجر الأولى.
شيئا فشيئا بدأت المجموعة الصغيرة تتحرك، نحو مدرج المطار، حيث تربض مروحية صغيرة، على بعد نحو مائتي متر من قاعة الشرف اليتيمة، في الجناح الرسمي المحروس برجال الدرك، والموضوع تحت إمرة التشريفات برئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية.
استغرقت عملية الإركاب دقائق معدودة، فالركاب الذين صعدوا هم علية القوم في وزارة الطاقة والمعادن يتقدمهم الوزير محمد علي ولد سيدي محمد، ومعهم ثلة من الصحفيين.
أخذنا أماكننا في المروحية الصغيرة، فيما ارتفعت بعد هنيهة، وطافت بنا تقريبا فوق أغلب أحياء نواكشوط، التي يبدو مظهرها من فوق أكثر حاجة لمساحيق تزيل عنه عاديات الإهمال والنسيان، من واقعها الأرضي، وهو أمر لا يمكن أن تقوم به سوى موارد كبيرة، يسيرها من يرتفع فوق المشهد بكل معنى الكلمة، ويكون همه الأول إصلاح ما أفسد الدهر.
لم تتح لي المروحية فرصة استكشاف المزيد مما تخبئه نواكشوط، وتتستر عليه، فلا يبدو عادة إلا لمن همه الأول الاطلاع على عوراتها الكثيرة، فقد انطلقت المروحية التابعة لشركة وود سايد الأسترالية، عباب “البحر الأخظر” قبل أن تحط بنا على سطح مدينة عائمة، وسط الأمواج المتلاطمة، هناك بعيدا في عمق الأطلسي، حيث لا يتراءى نواكشوط إطلاقا.
كان ذلك منتصف العقد الأول من الألفية، والمهمة التي ننتقل من أجلها، هي أن نزف للبلد، بداية تشغيل حقول النفط في مياهنا الإقليمية، بكل ما يعنيه ذلك من وقع سحري لكلمة النفط الذي حول صحارى العرب القاحلة، في منطقة الخليج إلى جنان عدن، ملئت في ظرف سنوات قليلة، مدنا مزدهرة وصناعات متطورة وسياحة جاذبة، تهفو إليها قلوب وأفئدة كثيرين من مختلف أنحاء المعمورة.
كانت المدينة العائمة التي نزلنا بها، واسمها “سكرايبو سفن” محطة أشغال نفطية، بها ورشات عمل وشقق سكنية، ومكاتب إدارية، ومطاعم وملاعب، ويقيم على متنها مئات من الخبراء من بلاد مختلفة.
يمارسون حياتهم كما لو كانوا في مدينة عادية، يلعبون ويمرحون ويشتغلون، ويأكلون، وتتعالى أصواتهم بلغة انكليزية بلكنات مختلفة من الشرق والغرب.
تحمل المحطة علم إيطاليا، وهي مؤجرة كما قيل لنا يومها من قبل الشركة الأسترالية، بمبلغ يصل تسعين مليون أوقية في اليوم، والحصول على خدماتها يتطلب حجزا لعدة أشهر.
وبحسب ما قدم للوزير حينها، عبر مترجم متمرس، فإن المحطة، ستتحرك من مياهنا، بعد خمسة عشر يوما بالضبط، نحو مصر، التي تنتظر دورها بعدنا منذ بعض الوقت.
تجولنا في المحطة، وقدمت لنا وفق التقاليد المرعية “شروح وافية” حولها، وما تتوفر عليه من مرافق ومنشآت، ولا أخفي أنني وزملائي على الأقل، كنا كالأطرش في الزفة، فرصيدنا المعرفي مما له صلة بالنفط والاستغلال المنجمي، مكانه المنطقة الواقعة تحت الصفر، وكل الشروح تقدم بالانكليزية، والخبراء يبتلعون كلماتهم بحرفية وخفة، كما يبتلعون قطع الطعام، كما سنرى لاحقا، خلال استراحتنا بالمطعم الخاص بالمقيمين بالمحطة.
بعد كل تلك الشروح التي قدمت لنا، أخذنا قسطا من الراحة، وتناولنا الغداء في مطعم “سلف سرفيس” بمستوى خدمة ممتاز، غمرتنا فيه مجددا أحلام الثراء، لبلدنا ولكل واحد منا قبل البلد وبعده.
تخيلت وأنا أتابع مع المسؤولين وزملائي الصحفيين، عرضا عن الفرص الواعدة لحقولنا النفطية الواقعة في عرض البحر، مدينة نواكشوط التي تركت قبل ساعات فقط، على تلك الحالة الرثة، تنفض عنها غبار السنين، وتتخلص بحركة واحدة من كل الكزرات والأحياء العشوائية في قلبها وعلى أطرافها.
تخيلت طرقا سيارة تنطلق شاقة البلاد، في كل الاتجاهات، نحو النعمة وبئر أم غرين وسيلبابي ونواذيب وتجكجة، وتراقصت أمام عيني شبكة طرق ثعبانية في تقاطعات نواكشوط الكبرى، وتخيلت مصانع عملاقة تشغل الآلاف من المتسكعين، من حملة الشهادات، وأسواقا عامرة بكل ما تشتهيه الأنفس من طعام ولباس وتجهيزات.
ثم حلق الخيال بين مستشفيات خمس نجوم، وعيادات من طراز نادر، نبتت كالفطر في لمح البصر، في كل ركن من البلد المكلوم، تجاورها كليات ومعاهد متنوعة ومدارس مهندسين لمختلف التخصصات، ومعها مراكز أبحاث متطورة، تفتح البلد على أحدث ما توصل إليه العقل البشري.
وكأني بمطارات ومحطات نقل وقطارات فاخرة، تلم شعث هذا الشعب، وتنسيه معاناة السنين الخوالي، وأمام عيني، تراقصت أحلام الرفاهية لشخصي، فانتابني الحيرة، حين بدأت المفاضلة بين موديلات السيارات، رغم تواضع رصيدي في هذا المجال.
وحسم قلبي المعركة، قبل أن تندلع، فقال لي لا داعي للهرج والمرج، خذ من كل صنف زوجين، للبيت والعمل و”العزبة”، ولا بأس بأن تضيف أخريات “للتفحيط” أو “اتكسكادي” على لغة ما قبل النفط، يلعب بها “العيال” ومساعدوهم.
وكدت أشهد حربا أهلية بين قلبي وعقلي، وأنا أفكر في الاختيار بين الفيلا أو الاقتصار على شقة واسعة ومحكمة التجهيز، وبدأت أرسم أمامي “ماكيت” بيتي الريفي، حيث سأذهب فقط لقضاء أيام متقطعة كل عام.
وعرض علي خيالي صورة منتجع صغير بشرق إفريقيا معروض للبيع، بسعر معقول، يمكن اقتناؤه في انتظار سنتين أو ثلاث، ريثما تتحقق النقلة نحو طبقة أخرى، يتاح لي معها أن أحصل على مضمار شخصي للخيول، ملحق ببيت في الريف الأسكتلندي الساحر.
ثم ما لبثت أن ارتفع بداخلي هاجس المهموم بمهنته، فقلت سنؤسس مدنا إعلامية كبرى، بها قنوات تبث على مدار الساعة، بكل اللغات المعروفة، ومواقع الكترونية بمضمون براق رائق، وإذاعات بكل الألسن، وصحف بطبعات ملساء تفيض أناقة وترفا، تعززها مراكز دراسات ومنتديات للنخبة وللمفكرين، كما فعل كل من تدفق النفط رقراقا بين روابيهم.
وتراقصت أمام عيني فرص ذهبية في تسنم الوظائف المرموقة في أحدى هذه المدن التي ستعج بكل وسائل الإعلام، التي سيكون من حقي كـ”مواطن” التمتع ب”لياليها” وحلب “صربتها” وبعد ذلك نفتحها لـ”المقيمين” من أشقائنا.
بالمقهى المقام فوق جناح من هذه المحطة، في ركن تهدهده رياح المحيط المنسابة، تبللها الأمواج المرتفعة هنا وهناك، ناولني نادل بربطة عنق، فنجان قهوة، فتبدى لي من خلف ملامحه لا شعوريا، عامل آسيوي، بملامح راضية خدومة، لتكتمل صورتي “بعد النفط”
دققت أكثر في ملامح النادل، فإذا بالقسمات الآسيوية تتراجع، تاركة أمامي وجها يتوسطه أنف أقنى، تظلله لمة صهباء، تنسدل بأريحية، لتذكرني بأنه علي أن أتأهب للعودة إلى حيث كنت، تدعوني بلطف ولكن بتصميم، إلى مغادرة هذه المحطة التي بدونا جميعا، نحن ومعالي الوزير وطاقمه، غرباء على متنها، لا تربطنا بها سوى هذه المروحية، التي جاءت بنا، ربما صدفة، وعليها أن تسرع بإخراجنا من هنا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق