المعالجات

..التعليم لم يعد يحتمل الانتظار..للباحث:محمدفال امحمد اطفل

عندما اعتلى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني كرسي الحكم،قبل سنة ونيف من الآن، كان الجميع يفكر بالتعليم بوصفه الرجل المريض، بل الرجل الذي اشتد به المرض، لدرجة أنه مثل الحالة الوحيدة التي تجمع كل النخب والقيادات والآراء والمراصد والتقارير الوطنية والأجنبية على ترديها وفسادها،وضرورة التدخل بحسم وعزم وفعالية لمعالجتها. ولم يكن البرنامج الإنتخابي لرئيس الجمهورية ليغفل مسألة بالغة الأهمية والتأثير والإستعجال، كالمسألة التعليمية، لذلك حضر الهم التربوي بقوة في ثنايا تعهداته،فكان إصلاح المنظومة التعليمية وإنقاذها من حالة الموت السريري، في طليعة ماوعد به شعبا يتهدد أجياله الصاعدة الضياع، ويلفها ظلام الجهل والجريمة والإنحراف الناتج عن غياب مدرسة جمهورية جامعة تلبي الحاجة الطبيعية إلى التربية والتعليم والتكوين،وسيادة أفق حالك، تتحول فيه هذه المدرسة، بوتيرة سريعة إلى مظهر للفرز الإجتماعي.في ظل وجود بيئتين تربويتين متمايزتين.همامدرسة عمومية تفتقد الرعاية والعناية والقيادة، وتتميز بالإكتطاظ حد كتم الأنفاس، وتعذر تقديم الدرس، وبات ينطر إليها- على نطاق واسع- على أنها مجرد مكان لحشر وحجز آلاف المراهقين الذين لاينبغي أن يكونوا في الشارع بشكل جماعي،ورسمي، لأنهاستكون بمثابة سابقة وحالة لامثيل لها في العالم، كماأنها تشكل تهديدا للسلم الأهلي.لذلك ظل هذ الديكور قائما، وإن كان بأشكال ومظاهر مخلة بأبسط نظم الديكور وقواعده. وإلى جانب هذه المدرسة(الحظيرة) برزت المدرسة الخصوصية، التي جاءت لسد الفراغ التربوي الناجم عن انهيار التعليم العمومي،فتحولت إلى طريق مورود،وبديل لامناص منه، بالنسبة لأصحاب الدخول الحريصين على تعليم أبنائهم، والمدركين بحق لمدى تدني مستوى وأداء المؤسسات العمومية.وهكذا أفرز هذ الإختلال الجسيم طبقتين متباعدتين، أكثرية مضطرة بحكم ظروفها المادية الصعبة إلى مزاولة ماتيسر من الدراسة، على محدوديته وضعف مردوديته في المدرسة العمومية، وأقلية تتنامى باستمرار،تكفلت بتدريس أبنائها على نفقتها الخاصة من خلال التعليم الخصوصي. الذي يظل على هشاشته، بديلا لامفر منه بالنسبة لمن يجد قوت يومه، ويدرك أن التعليم ليس خيارا بل ضرورة، وأن مايجري في الحظائر العمومية لاينطبق عليه مفهوم الدراسة بأي شكل من الأشكال. وبما أن الموقف من التعليم كمابينا شكل مشتركا سياسيا، وهماوطنيا يجمع الكل على ضرورة الشروع في معالجته دون تأخير، أومماطلة،وعلى نحو يقطع مع أنماط الماضي. فقد كان الإعتقاد السائد هو أن الملف التربوي الساخن سيتحول إلى ورشة عمل لايمكن أن تتأثر بالبيروقراطية الإدارية التقليدية، أو تلكأ ومقاومة المنتفعين من استمرار الفساد، أو الإكراهات السياسية والإقتصادية والإجتماعية. وهو مالم يحدث بكل أسف.فبعد سنة ونيف من حكم الرئيس، الذي يدرك قبل غيره أهمية التعليم، باعتباره مفتاح التنمية، ومحرك النهضة، وصمام أمان السلم الإجتماعي. مازالت منظومتنا التربوية من الناحية العملية على ماهي عليه، فلا الأساتذة والمعلمون والمؤطرون عن قرب الذين يمثلون المحرك الأساسي للعملية التربوية، وضعوا في الظروف المادية والمعنوية التي تمكنهم من أداء عملهم،وقد تصاعد الشعور بالغضب والإحباط بين منتسبي الحقل التعليمي، لأن أحد أهم أسباب فشل المنظومة التربوية،والذي هو الوضع المادي والمعنوي المزري للمدرس والمؤطر يتم إغفاله باستمرار عن سبق إصرار، في حين يقع الدفع برزم من الأوراق والخطط النظرية التي لن تكون مفيدة وقابلة للتطبيق مالم يرفع أولا الظلم عن المدرس بمنحه الراتب والعلاوات التي يستحق، ويعامل كموظف يستحق العيش الكريم، بل يستحق أعلى درجات التكريم بوصفه باني الأمم ومربي العقول،ومقوم السلوك والأخلاق. إن السنة التي توشك على الإنصرام قد انقضت دون أن تتغير ملامح الوجه التعليمي الشاحب في بلادنا،لابسبب جائحة كورونا فحسب، وإنما لأنه لم توضع أسس نظرية قويمة لإصلاح نظامنا التعليمي والنهوض به، فلم تتغير الممارسات المتسمة بالفساد،ولم تؤخذ بعين الإعتبار المطالب والمتطلبات الجديةلعملية الإصلاح،والعقلية المسيطرة في دائرة صنع القرار، مازالت هي عقلية من يسعون لتأمين مصالحهم الخاصة والحفاظ على امتيازاتهم،وبالرغم من ذلك مازلنا نأمل أن تحمل السنة الدراسية المقبلة جديدا يصلح ماأفسدته سنوات طويلة من تجاهل التعليم،والتنكر للمربي،فيعاد للمدرس الإعتبار،وتعاد كتابة البرامج بمايخدم مصالح الأمة، وتجهز المدارس، ويخف الإكتظاظ،ويتم تأسيس المدرسة الجمهورية التي يجتذب ألقها التلاميذ فتمنح فرصا متساوية للمتعلمين، وتكون جسر عبور لمستقبل أكثر أمانا وإشراقا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق