أدبيات

تناوب القبائل على حكم المفازة../للكاتب :يعقوب بن اليدالي

تناوب القبائل على حكم المفازة

كنت ذات ليلة صيفية أتابع – رفقة نخبة من الإداريين- نشرة الأخبار عبر التلفزيون الوطني، فإذا بوزير التجهيز والنقل آنذاك يقدم رخصا إلى بعض الشباب الذين تمكنوا من اجتياز مسابقة لجنة امتحان السياقة. فقال أحد الحاضرين لقد تحققت توقعات الإداري الظريف، وصدق سن بكره فيما قال، ولما رجعنا إلى المنزل سألت مرافقي عن مضمون تلك الإشارة، فروى لي حديثا ممتعا أردت أن أتقاسمه معكم الليلة فالحديث شجون كما يقولون.
قال محدثي سمعت من الرواة الثقات أنهم كانوا أواخر ستينيات القرن الماضي، يختلفون إلى إداري تربطه بالخليفة اللخمي أواصر القربى فيتحفهم بمسرحيات و تمثيليات يمتح فيها من خياله العلمي الواسع و خبرته المعمقة في مجال علم الأنسنة، ومع الوقت استظرف سكان الحيرة تلك المسرحيات الهزلية المشحونة بالرسائل و الإشارات النقدية. خصوصا في ظل عدم توفر وسائل الإعلام والترفيه آنذاك.
ثم إن إحدى تلك المسرحيات شاعت و ذاعت ولاقت استحسانا كبيرا لدى نخب الصالونات، إلى أن بلغت الخليفة الأمين و “أذن السلطان طويلة كما يقولون”؛ وقد عالج فيها الرجل الموهوب رؤيته لتعاقب القبائل على حكم المفازة ..فاستدعى الخليفة الإداري إلى قصر الخورنق و طلب منه أن يسمعه تلك المسرحية بالذات..يقول محدثي راويا عن سند عال متصل بالإداري الحصيف إن الخليفة الوقور استمع باهتمام لما نسجه الخيال العلمي للإداري الأنثروبولوجي الموهوب والذي خاطبه قائلا:
مولاي الخليفة أرى – ولله الأمر من قبل ومن بعد- أن فترة حكم قبيلتنا لهذه المفازة قد أشرف على النهاية. و ستخلف بعدنا عليها مجموعة من القبائل أولها قبيلة ضبة بن أد بن طابخة لكونها إحدى جمرات المفازة، -وحسب وجهة نظري- فإن خليفتهم سيوثر بني عمومته بالإقطاعات والولايات، فيمتلكون الأراضي الشاسعة في الحضر والمدر، فيجعلونها كحمى كليب، ولا ينازعهم فيه خصم أمام القضاء إلا نهضت حججهم على بينته، ثم يصدر الخازن فرمانا يقضي بألا يستفيد من القرضين الزراعي و البحري إلا من لديهم قطع أرضية موقعة ومعتمدة من “المخزن”؛ وهو ما سينتج عنه تراكم للثروة لدى الضبيين على حساب قبائل المفازة الأخرى .. وسيحدث ذلك حالة من الامتعاض والغيرة لدى بقية الزعماء فيتفقون على عزل الخليفة الضبي و يقومون باختيار شيخ من قبيلة هوازن ليتولى تسيير حكم المفازة وهو ما سترتاح له مختلف شرائح المجتمع من العرب والبربر و العجم ، فيبادر الخليفة الجديد إلى تمكين بني عمومته كبني الصمة وبني صعصعة ، و كانوا -قبل توليه للحكم- أهل تجارة ومرابحة، ولهم حضور قوي في أسواق عكاظ و ذي المجاز ومجنة ..وسيزداد تركيزهم على التجارة و تسيير وحماية عير اللطيمة ورحلتي الشتاء والصيف، كما سيستخدمون نفوذهم في سبيل إدخال بضاعتهم من دون مكوس ..فيتضاعف الريع والثروة، بينما يزداد فقر القبائل الأخرى، وهو ما سيؤدي إلى تأجيج العصبيات من جديد و الإطاحة بحكم قبيلة هوازن، ثم إن أعيان المفازة سيبايعون شيخا صالحا من الأزد من بني عمرو بن عامر بن مزيقيا فيولي أهمية قصوى للثقافة والفنون ويقرب أهل الطرب -وخاصة أسرة إسحاق الموصلي-، فتكثر الحفلات و تدبج القصائد العصماء في مدح قبائل كهلان وأزد شنوءة، وتخلد البطولات التي قام بها أسلافهم بأسيافهم و أقلامهم..و سيجزل الخليفة و الأعيان العطاء للشعار ..فتنفد أموال خزينة الدولة ..وتتكاثر الديون السيادية ، فيطلب الخازن لقاء الخليفة على عجل ووجل و يخبره بأن حسابات الدولة قد احمرت، فيقول له ويحك أما تعلم أن ما عند الله لاينفد، و يعطيه ورقة مطوية ضمنها نقوشا من علوم الأوفاق والنيم والسيم؛ ويأمره بوضعها في الخزانة ضامنا له أن الغمة ستفرج بإذن الله.. ولكن النخب من سكان المفازة لن تحسن الظن بضمانة الخليفة الصالح فتثور عليه الدهماء، وبعد مفاوضات شاقة يقع اختيار أهل الحل والعقد على شيخ قرشي من بني تيم فيحكم بينهم بالقسط و يسقط عنهم المكوس، وسيشهد عهده تحسنا في العلاقات مع أمم العجم وما وراء البحار، كما ستشهد فترة حكمه فائضا في الغلات الزراعية و انتعاشا لسوق المواشي نظرا لسنوات متتالية من الخصب؛ فتنتج عن ذلك زيادة معتبرة في موارد الخزانة فيجتمع به بنو عمومته -وهم أهل رأي وعقل- و يشيرون عليه بأن الناس لا حاجة لهم حاليا بتلك الأموال، ويقترحون عليه إقراضها لفتية من بني تيم فيشترون بها بعض عروض التجارة النافقة لدى ساكنة جنوب النهر . ولا شك أنهم سيعيدون القروض في الآجال لأنهم ما بين سفسير وخريت.
ولكن انتظار الخازن لرد أذنات الخزينة سيطول، وسيكثر انتقاد علية القوم للخليفة وسينقمون عليه برودة أعصابه وعدم تسرعه في أخذ القرارات، فيطلعه الخازن على امتعاض الأساورة الجحاجح خصوصا مع تنامي العجز المالي الناتج عن عدم سداد الدين، فيقول له الخليفة بلهجتهم ” إلا اخسر شي ما اخسر شي ولا ما اخسر شي ما اخسر شي”
فتنشق عن طاعة الخليفة قبائل الشوكة التي كانت قد غمست معه يمين حلف، و تعلن عن مبايعة زعيم من قبيلة بني أسد فتشرئب أعناق الرعية إلى عهد جديد ستتحسن فيه الظروف المعيشية لسكان المفازة .. فيسوس بنو أسد رعيتهم أحسن سياسة في صدر دولتهم، ثم يتبنون سياسات لا تشجع التعليم وما يتعلق به، ويركزون على حاملي رخص السياقة كمعيار لتولي خطط الدولة و ذلك على حساب ذوي الاختصاص مما سيزيد -مع مرور الوقت- من نقمة السكان فيطيحون بحكم بني الليث.
يقول محدثي راويا عمن التقى بالإداري
ثم إن أهل الحل والعقد من جميع قبائل المفازة اجتمعوا و ناقشوا معا أسباب فشل القبائل في إدارة حكم المفازة، وقرروا بعد تدبر و تحليل أن يعيدوا الحكم إلى اللخميين بحجة أن فترة حكمهم كانت بمثابة عصر ازدهار المفازة وتطورها، فقد أسسوا مدينة الحيرة و بنوا قصر الخورنق وساسوا الناس بالعدل ووثقوا الحبال مع القبائل العربية و شعوب الإفرنج و الصين وبلاد السند والهند، كما أن الخليفة و حاشيته شهد لهم حكماء العرب والعجم بالأمانة و القناعة و الإخلاص والتفاني في خدمة المفازة.
ثم إن قبائل “الركاب” والكتاب و أهل الحل والعقد سيرسلون وفدا رفيعا إلى اللخميين لكي يقنعوهم بالرجوع إلى سدة الحكم، فيستقبل اللخميون الوفد على قارعة الطريق في زي بسيط وأنيق، و يستمعون باهتمام لمطالبهم، ثم يقولون لهم بعد الترحيب والشكر على الثقة.. إن هذا الأمر إنما وليه أبونا المؤسس من الفرس مباشرة بعد مفاوضات ومناورات ونحن لا نقبل بأقل من ذلك فاذهبوا فاطلبوا من كسرى العودة إلى الانتداب على المفازة ونحن نتفاوض مع مرازبته بعد ذلك ثم نرجع إلى الحكم…

يقول محدثي إن الإداري قال: ظل الخليفة الوقور صامتا طيلة سردي للمسرحية حتى إذا ما بلغت الفقرة الأخيرة فإذا به يدخل في نوبة عارمة من الضحك المتواصل، ودك برجليه الأرض دكا، و هو ما أزال الحواجز التي كان يفرضها المنصب وتدعو لها الفوارق العمرية بيننا.

ملاحظة
إن أي تشابه في الأسماء أو الشخصيات وقع خلال السرد هو محض الصدفة على لغة كتاب الأفلام والمسرحيات
يعقوب بن اليدالي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق