أدبيات

..لقاء مؤجل مع الحبيب بولعراس..للكاتب :محمد ولد حمدو

لقاء مؤجل مع الحبيب بولعراس
……………………………………………….
كنت ذلك اليوم البعيد، في عامي الأول في التلفزة الموريتانية، وقليلا ما توكل إلي المهام الخارجية، أي تلك التي تتطلب سفرا بعيدا عن العاصمة، فقد كان علي أن أقوم بتغطيات قصيرة الأمد، وهامشية في سلم النشاط الرسمي.
ولا تترك لي فرصة الاقتراب من “المهام الكبيرة” كما يحدث مع كل المبتدئين، والتي يوصى وفق العرف الإداري السائد بتركها بعيدة عن متناول الصغار، حتى لا أقول الأطفال، كما هو حال الأدوية والمستحضرات الصيدلانية.
والواقع أن المهام الكبيرة، مفهوم هلامي، يضم كل شيء تقريبا، فلا يخرج عنه سوى لقاءات صغيرة، أو حملات تحسيسية من الدرجة الرابعة، يتولاها مسؤولون هامشيون في قطاعاتهم.
وتتم هذه التغطيات غالبا في الجزء غير المفيد من نواكشوط، في مقاطعات الكثافة الشعبية، بعيدا عن أعين سكان الأحياء الراقية.
مساء ذلك اليوم الخريفي الحار والرطب، كنت في بداية الدوام المسائي، حين طلب مني الاستعداد للسفر، تلك الليلة إلى مدينة شنقيط، رفقة وفد برلماني تونسي.
كان ذلك أول سفر رسمي لي تقريبا، باسم التلفزة، فقد أتيح لي قبل ذلك بأشهر، أن أغطي في مدينتي اركيز والمذرذرة، جانبا من الحملة الدعائية الممهدة للانتخابات التشريعية التي نظمت نهاية عام 1996
لكنه لم يكن سفرا مرتبا، بالمعني الحقيقي للكلمة، وإنما حاولت التلفزة الاستفادة من فرصة وجود وزير في الحكومة، يستعد للسفر إلى مسقط رأسه، لتقدم جانبا من المشهد في الداخل في مناطق لم تكن تسمح إمكانياتها بالوصول إليها، إذ لم تتجاوز فرقها في الغالب، عواصم الولايات.
لم يكن لي ذلك المساء، وأنا أكلف بمرافقة الوفد البرلماني، أن أعترض، ولا حتى أن أطلب توضيحات عن طبيعة المهمة، فالأهم بالنسبة لي هو السفر تحت راية التلفزة، والشعور بأني أصبحت “راشدا” من وجهة النظر المهنية، أولنقل الإدارية، يتاح لي أن أخرج، ولو ليوم واحد من نواكشوط، وأترك ورشات شؤون المرأة، وحملات التحسيس الصحية الهامشية، وورشات المجتمع المدني الرتيبة، وأن أفوز بشرف التكليف بمرافقة وفد رسمي.
وقد أبدع الزميل أحمدو ولد اندهمر مرة، بروح الدعابة والخيال المجنح الذي طوعه باقتدار لافت، حين صور بكاريكاتورية موغلة في الإيحاء، نفسه يحاول ذات يوم الخروج من إسار هذه الحالة التي يعيشها المبتدئون، وينجح في استصدار موافقة من أحد مسؤوليه على سفر عمل.
غير أنه في هذه الأثناء يأتي مسؤوله المباشر، ويؤكد رفضه لتكليفه بالمهمة، ويحاول إقناعه بالنزول من سيارة المهمة، قبل أن يلجأ إلى القوة لمحاولة إنزاله، فيما يشرع الزميل أحمدو في الاستغاثة بالسائق، طالبا منه الانطلاق لتفويت الفرصة على المسؤول لكي لا ينجح في استبقائه.
كان مشهدا كاريكاوريا من خيال الزميل، ولكن فيه الكثير من واقع يعيشه المبتدئون في كل المرافق الإدارية والخدمية العامة في البلدان المشابهة.
كانت حالتي تلك الليلة تشبه حالة الزميل، فالمهم بالنسبة لي هو السفر.
سأكون صريحا، فلم تكن لأبعاد أخرى، أي أهمية بالنسبة لي، في تلك اللحظة، فلا ولاية آدرار العريقة، تعني لي شيئا حينها، ولا حتى فرصة زيارة المدينة الأسطورة شنقيط، بتاريخها الممتد في الزمان قرونا سحيقة، مهمة في عين الشاب المحاصر بين أسوار نواكشوط، لا يخرجها في المهام الرسمية، ويرى يوميا زملاءه يتقاطرون في رحلات، أقرب بالنسبة له للأحلام منها للواقع.
وتنتابه كل مشاعر الغيرة، وهو يسمعهم “يؤثثون” جلسات الشاي في المقهى اليتيم بالتلفزة، بالحديث عن ذكرياتهم ومشاهداتهم خلال المهام، التي يقومون بها، ومن يلتقونهم من مسؤولين ووجهاء وأعيان وناس عاديين.
كانت كل تلك المشاعر، تعتمل في رأسي، وأنا أغادر نواكشوط تلك الليلة، ميمما آدرار، رفقة زملاء أسن مني جميعا، فأخيرا ستكون لي ذكريات أرويها، وستكون لي مشاهدات “أدخل بها الجماعة” وأملأ بها بعض الوقت، خلال جلسات شاي الضحى.
بعد أكثر من ساعتين، كنا في مدينة اكجوجت، بدت مظلمة مكفهرة شاحبة، من خلال مشاهداتي خلال الاستراحة التي قضيناها في مطعم شعبي، أقامه صاحبه على قارعة الطريق، قرب محطة خدمات تتوسط المدينة، كما هو حال المطاعم والاستراحات المتناثرة، على طول طرق موريتانيا.
لم أعد أذكر، كيف قضينا ليلتنا، كلما أذكره، أننا غادرنا اكجوجت، قبيل منتصف الليل، ولكني أعتقد أننا نمنا، بعد ما أنهكنا السفر، بإحدى البلدات المتناثرة على الطريق المتجهة نحو أطار، والتي كانت أشغال تهيئتها في ذلك الوقت، ما زالت جارية، لم تكتمل بعد.
حضارة النخيل
في صباح اليوم التالي، واصلنا السير نحو هضبة آدرار، التي كانت تتراءى عن بعد، كما كانت دائما عصية صعبة المنال، فقد فشل الفرنسيون مرتين في اقتحامها عنوة، قبل التوغل فيها، نهاية العقد الأول من القرن العشرين، خلال الحملة التي قادها الجنرال غورو، بعد أن أعدت وزارة المستعمرات لها على مدى سنوات، لتفادي الفشل مجددا في “فتح” آدرار.
اقتربنا من الهضبة الأسطورية، ثم بدأت السيارة تتسلقها ببطء، تنحرف ذات اليمين وذات الشمال، كأنها تحاول خداع الصخور، لتتمكن من التوغل نحو الهدف.
كانت بصمات حضارة النخيل قد بدت تتكشف في كل شيء تصله العين..
على مرأى البصر، تمتد وديان النخيل، تحفها البطاح الملساء ناصعة البياض، تتخللها أعرشة ومنازل متفرقة، كأنها قدت من الحجارة الصماء المحيطة بنا من كل الجهات.
ما زالت في عيني، من ذلك اليوم، صورة أطفال، يتدافعون نحو السيارة، وهي تحاول عبور بعض المنعرجات الجبلية، يعرضون عينات من تمور شتى، قطفت لتوها من “زرائب” عائلاتهم، قد لفت على عجل في سلال صغيرة، من جريد النخيل.
كانت آدرار دائما، ترتبط في الذهن بالتمر والنخيل، وهاهي تجسد ذلك في كل الصور المتتالية أمام عيني.
تقدمت السيارة عابرة جغرافيا حرجة، كانت دائما صفحات، كتب عليها بإصرار تاريخ هذه المناطق وما حولها، قبل أن تتراءى لنا بلدة “كنوال”، وهي منتجع عريق في ضواحي أطار، أضحت اليوم مع تمدد أطار ونموها، المدخل الجنوبي للمدينة.
وكانت هذه البلدة الصغيرة، حاضرة بقوة، في مراحل مختلفة من التاريخ السياسي والحربي لإمارة أهل يحيى بن عثمان، التي حكمت آدرار على مدى ثلاثة قرون تقريبا، ولها ذكر في التراث الفني والأدبي للمنطقة.
توغلت السيارة، نحو قلب مدينة أطار، بدت لي حاضرة كبيرة متوسطة البهاء، تختلف عن ما أعرفه من مدن موريتانيا، على وجوه أهلها شيء من الصرامة، ممزوج بقدر غير يسير من الهدوء والبساطة والعملية.
كان منظر الدراجات تجوب بعض الشوارع القريبة من السوق، على متنها رجال مسنون يحملون في سلال، ثبتت خلفهم بعض الخضروات والمستلزمات المستجلبة من “ابجيه” أو السوق، يلخص الكثير من ملامح التحول الذي خضعت له هذه المدينة العريقة، على مدى عقود، حيث أقام بها الفرنسيون واحدة من أقوى قلاعهم في موريتانيا.
وصلنا منزل الوالي، حيث قضينا جزء من النهار، في هذا المبنى ذي الملمح الآدراري الساحلي الصحراوي الواضح، فقد بني أيام المستعمر، من الحجارة الصلبة، وطلي بمزيج من مواد محلية وأخرى مستجلبة، بقدر ما يساعد في تخفيف الحرارة، وتخزين الهواء والمحافظة على جو معتدل في الداخل خاصة في النهار.
ويظهر هذا المبنى، الذي أقام به رؤساء الدوائر منذ العهد الاستعماري، وحتى في ظل الدولة الموريتانية، تقريبا في كل الصور التي تعود لسنوات الاستعمار وما بعدها والمنشورة عن المدينة.
أخذنا قسطا من الراحة وبدأنا الاستعداد للسفر مع ساعات المساء نحو مدينة شنقيط.

الطريق نحو شنقيط..
اختار زملائي ساعات المساء للسفر، بحكم الخبرة في مثل هذه الأسفار، بناء على تقديرهم لارتفاع درجات الحرارة خلال النهار، في هذا الجزء من البلاد، خاصة في هذا الفصل من العام.
الطريق نحو مدينة شنقيط، كانت دائما من أصعب الطرق في موريتانيا، حيث يتعين للتوجه نحوها من أطار، عبور ممر جبلي وعر، يشق كدية أمكجار الشاهقة، والتي شق عبرها أحد أبناء المدينة، وهو السيد محمدو ولد أبنو، طريقا جبلية خطيرة، تم لاحقا تعبيدها على مسافة نحو ستة كيلومترات، فيما بقيت المسافة بين أمكجار وشنقيط رملية ممهدة، تسلكها السيارات دون صعوبة تذكر.
كانت تلك هي الصورة تلك الليلة، ونحن نبدأ السير نحو شنقيط، حيث عشت لحظات قلق لا تنسى عند عبور المنعرج الجبلي الحاد، فيما لم يثر ذلك كبير اهتمام لدى السائق المتعود على كل الطرق المشابهة، وكذا رفاقي الذين عرفوا الطريق في مراحل أكثر خطورة وأقل تمهيدا، وظلوا يتحدثون بهدوء غير مكترثين بالهاوية التي كانت سحيقة من حولنا تلفها الظلمة القاتمة تشقها من حين لآخر أضواء السيارة، عند كل انعطاف نحو الأعلى.
بعد جهد جهيد استوت السيارة فوق منبسط ممهد، بعد أن عبرت أمكجار، وأخذت تحث الخطى نحو شنقيط.
كانت أضواء السيارة تشق ظلمة الليلة الهادئة، وتكسر صمت الهدوء المطبق على هذا الجزء من البلد، الذي انتبذ مكانا قصيا عن باقي موريتانيا، منذ أن تراجعت أهمية حياة القوافل والتجارة الصحراوية، منذ نحو قرن ونصف، فيما كان الزملاء يتجاذبون أطراف الأحاديث وذكريات زيارات سابقة للمنطقة.
كان السائق قد زاد مستوى صوت جهاز التسجيل، وعدل عمامته البيضاء، مزيحا رأسه قليلا نحو مسند مقعده المدعم بغطاء صوفي سميك، في محاولة لاستجماع المزيد من الطاقة للتركيز على ما تبقى من المسافة، وعدم ترك فرصة للنعاس ليتسلل إلى عينيه المرهقتين، بفعل السفر المتواصل تقريبا منذ الليلة الماضية.
كانت الأحاديث تترى من هنا وهناك، فيما أنا ساكت، كجهاز تسجيل، يجمع زاده للساعات والأيام القادمة، فكل هذا سيكون جزء من ذكرياتي.
بعد وقت غير يسير، بدا وكأن السيارة بدأت تنحرف نحو ميدان أكثر ليونة، ثم أخذت تكابد رمالا كأنما تتربص بها تريد ابتلاعها، ثم بدت أضواؤها تخترق مساكن متناثرة على جانبي الطريق.
كنا قد دخلنا مدينة شنقيط دون سابق إشعار تقريبا، ثم انحرفت السيارة قليلا، لتتوقف أمام نزل صغير على حافة البطحاء، على أطراف المدينة الجديدة.
بدت ساحة النزل واسعة، مفروشة برمال ملساء، تتسلل بلطف من خلال الأحذية، فيما تجاورت الغرف على الأطراف، وعلى الطريقة الموريتانية التقليدية، فرش مسير النزل بساطا وثيرا تناثرت فوقه وسائد.
هنا يستقبل صاحب النزل زبناءه القلائل، الذين يعدون على أصابع اليد الواحدة على مدار الأسبوع، فهم في الغالب سياح غربيون مسنون، يعشقون الهدوء والشمس والصحراء والحرارة، أورسميون مرفهون، جاءوا في مهمات عمل قصيرة، يختارون الموقع فقط للراحة والنوم، فيما يقضون باقي الأوقات في المدينة الصغيرة.
تقسم البطحاء شنقيط شطرين، هنا في الشمال الحي الجديد، فيه أغلب مرافق الدولة والأسواق والمتاجر، وقد بني تدريجيا منذ النصف الثاني من القرن الماضي، أما هناك وراء البطحاء جنوبا، فتمتد مدينة شنقيط التاريخية، التي باتت شبه مهجورة اليوم، رغم أن عدة عائلات ما زالت متمسكة، بها وترفض تركها، وتحتفظ بمساكنها هناك في قلب التاريخ، ربما استدرارا لبركة المكان، وتيمنا بجوار المأذنة الأشهر في تاريخ موريتانيا، التي يقال إنها أقيمت فوق موقع الجامع التاريخي الذي بني قبل اثني عشر قرنا.
في الصباح أشرقت الشمس كما كانت تشرق كل يوم، لكن البلدة الصغيرة الهادئة ذات الإيقاع الحياتي الرتيب، كانت تستعد لاستقبال ضيف كبير، وكل الضيوف هنا كبار ومرحب بهم، فالمسؤولون والمنتخبون، ومعهم السكان، يحولون كل زيارة إلى حدث “يصرفون” فيه بعض فائض الوقت، الذي يمر بطيئا رتيبا، في هذه الحواضر الصغيرة، ذات الأيام المتشابهة، بفعل العزلة التي فرضتها المتغيرات، وتراجع أهمية محطات القوافل ومدن الواحات، وانكفاء سكان هذه الحواضر، ذات التقاليد العملية والاقتصادية والاجتماعية الخاصة، بقلق، على ما لديهم من تراث، يخشون عليه الضياع والذوبان بفعل المؤثرات الخارجية الجارفة.
كانت شنقيط تستعد لاستقبال رئيس البرلمان التونسي، الأستاذ الحبيب بولعراس.
وهذه الصفة التي يحملها الرجل منذ سنوات فقط، ليست هي كل شيء في حياته، فهو ليس ممن يصلون المناصب، خلوا من أي مؤهل سابق، كما هي الحالة السائدة للأسف في بعض البلدان، فهو مثقف وصحفي وسياسي من طراز رفيع، شق طريقه في المواقع والمناصب، مسلحا بمؤهلات علمية، ورصيد ثقافي متنوع، عززته تجربة سياسية، تتماهى مع محطات مهمة من تاريخ تونس المستقلة.
لم تكن مدينة شنقيط، تلك الحاضرة الموريتانية الهاجعة بين الكثبان الرملية منذ الأزل، مكانا متوقعا بالنسبة لي للقاء مثقف وسياسي تونسي كبير، مثل الحبيب بولعراس، سمعت عنه كثيرا وقرأت له، وتابعت جانبا من مسيرته، عندما عشت لسنوات في تونس، حين كنت طالبا بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار بحي مونفلوري، الواقع على مرمى حجر من مسقط رأس الرجل في “المدينة” أي الحي العتيق في قلب تونس التاريخية.
هاهي الأقدار ترتب لي لقاء مع هذا الرجل، الذي كدت ألقاه مرتين على الأقل، قبل هذا، وحالت عوارض دون ذلك، لألقاه اليوم هنا في شنقيط على بعد آلاف الكيلومترات من “تونسه” الأصلية.
لقاءان مؤجلان..
قبل شنقيط، كدت ألقى بولعراس مرتين، الأولى حين أتاح لنا المعهد، في إطار برنامج التكوين الميداني، فرصة حضور بعض نقاشات البرلمان التونسي، وانتقلنا فعلا إلى مقر مجلس النواب، بقصر باردو، بضاحية باردو، حيث دارت أحداث بارزة في تاريخ تونس، ليس أقلها أهمية، توقيع معاهدة الحماية التي وضعت البلد، تحت راية فرنسا، نهاية القرن التاسع عشر.
كاد يومها، أن يُتاح لي لقاء الرجل، الذي كان ملء السمع والبصر، وهو في الرتبة الثانية أو الثالثة بروتوكوليا في بلده، منافسا للأمين العام للتجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم، ويتربع على رأس المؤسسة التشريعية، بعد أن تقلب في مواقع الصدارة سفيرا لبلاده في القاهرة، وعضوا في الحكومة حيث تولى حقيبة الثقافة مرتين ثم الخارجية، رغم أني كنت مجرد طالب شاب حبيس عالمي الصغير، أقضي وقتي بين البيت والمعهد بمنفلوري، وفسحات الترفية القليلة، على ناصية شارع بورقيبة، رمز تونس الباشة، وأكشاك الصحف والمجلات وباعة الكتب والمسارح وقاعات السينما والمقاهي المتناثرة في محيطه.
لكن اللقاء يومها لم يتم، فقد غاب الرجل عن رئاسة الجلسة التي حضرتها مع زملائي من طلبة السنة الثالثة بالمعهد، وأدار الجلسة أحد نوابه.
أما المرة الثانية، التي كان مقررا أن يتاح لي فيها، لقاء هذا الرجل التونسي الكبير، فقد تقرر أن يحل بولعراس، ضيفا على “منتدى الخميس” بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار، إلا أن ظروفا حالت في الدقائق الأخيرة دون حضوره.
وضاعت فرصة اللقاء به في هذا المنتدى الذي دأب المعهد لسنوات على أن يستضيف فيه نخبة من السياسيين والإعلاميين والمفكرين والشخصيات المرجعية في حقول مختلفة أخرى، من التونسيين والأجانب، كلما تيسر ذلك.
وقد نجح اللقاء في جمعنا مرات، بأسماء لامعة، في عالم السياسة والثقافة والإعلام والفكر، من قبيل الأمين العام السابق للجامعة العربية، الشاذلي القليبي، والسياسي العراقي الكبير محمد فاضل الجمالي، الذي كان من أواخر رؤساء وزارات العهد الملكي، والذي عاش جانبا من سنوات منفاه الطويلة في تونس، ودرس بجامعتها، بعد أن منحه الرئيس الحبيب بورقيبة الجنسية التونسية.
ولا أنسى يوم جاءنا في المعهد، حديثه المفعم بالذكريات المريرة، عن توقيعه ميثاق إنشاء منظمة الأمم المتحدة، نيابة عن بلاده منتصف الأربعينات، بمدينة سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة، ومشاعر الحزن والأسى، التي انتابته وهو يتحدث، حين تأمل مصير العراق، الذي كان في تلك السنوات الأولى من عقد التسعينات، على هامش المجتمع الدولي تحت الحصار والقصف، على خلفية ضمه الكويت، وما تبع ذلك من توتر في الخليج والشرق الأوسط، وما نجم عنه من دمار ودماء، في هذا البلد العريق بين الدول الحديثة.
وكان من ضيوف منتدى معهد الصحافة، الذين بقوا معي في الذاكرة، رسام الكاريكاتور الفرنسي الشهير، بلانتي، الذي ارتبط اسمه بالصحيفة الفرنسية الأشهر على الإطلاق “لموند”، التي حملت على مدار عقود، للجمهور الفرانكفوني رسوماته ذائعة الصيت، وذات الشحنة السياسية العالية في أحايين كثيرة.
كان الهدف من المنتدى، أن يتيح للطلبة أي صحفيي المستقبل، الاحتكاك بهذا النوع من مصادر الأخبار والفاعلين في المشهد، وأن يتدربوا على مواجهة الشخصيات الكبيرة، وتمرينهم على طرح الأسئلة والتفاعل مع صناع الأحداث.
تداعت هذه الذكريات في رأسي سريعة، متتالية، وأنا أرى الرجل بابتسامته المعروفة، ينزل على مدرج مطار شنقيط الصغير، في ذلك اليوم الخريفي القائظ، يرافقه نظيره الموريتاني، يومها الشيخ سيد أحمد ولد بابا.
كانت زيارة بولعراس للمدينة التي ارتبط اسمها في أذهان الكثيرين خارج البلاد، بتاريخ موريتانيا الثقافي وشخصيتها الحضارية، كقلعة من آخر قلاع الثقافة العربية والإسلامية في هذا الجزء من العالم، تأكيدا لبعد المثقف في شخصيته وطغيانه على الأبعاد الأخرى.
وإلا فما الذي يأتي برئيس برلمان، إلى هذه المدينة البعيدة المعزولة، ويجعله يتجشم عناء السفر إليها، سوى أنه يبحث عن ما لا يبحث عن آخرون؟
الخروج عن النص..
استحضرت هذا البعد، وأنا أتهيأ لــ”الخروج عن النص”، حين قررت خلافا للمألوف في مثل هذه المناسبات، أن أبادر الضيف بسؤال، دون انتظار موافقة مرافقه أو إشعاره، والذي عادة يكون حديثه، وفق العرف السائد في وسائل إعلامنا العمومية، حينها على الأقل، توطئة وتهيئة للميدان لحديث الضيف، وربما توجيها له حتى لا ينزلق في الحديث للإعلام.
سألت بولعراس، عن دلالات الزيارة، دون أن أنسى الإشارة إلى التناقض الظاهري على الأقل، بين موقعه السياسي، والطابع التاريخي والثقافي للمدينة المزورة.
بدا على وجه مضيفه بعض القلق، مشوبا بشيء من الإحراج، كمن أحس أننا دخلنا ميدانه دون استئذان، خاصة أنه ربما، لم يستحضر خلفية ضيفه المثقف اللامع والصحفي المفوه، وليس فقط السياسي المتحفظ كما قد يتبادر للذهن.
مرت ثوان ثقال بعد طرحي السؤال.
ثم كسر الضيف التونسي، جو الترقب والوجوم، وأطلق من خلف ابتسامة العارف، توطئة تاريخية سريعة، عادت بنا إلى القيروان، التي كان منها منطلق جيوش الفتح الإسلامي نحو باقي المغرب وشمال إفريقيا، بما فيها موريتانيا، ووصل سريعا إلى مرور أمير “كدالة” يحيى بن ابراهيم بالمدينة، عائدا من الحج، ولقائه الفقيه المالكي أبي عمران الفاسي الذي كان السبب في إرسال عبد الله بن ياسين إلى الأراضي الموريتانية الحالية، وتأسيس الرباط المقدس في جزيرة “تيدرة” على الأرجح، والذي كان نواة دولة عظيمة، امتدت شمالا رافعة راية الإسلام الموحدة نحو ربوع عديدة، ونشرت جنوبا عقائد التوحيد في أدغال إفريقيا.
ثم أبرز بولعراس، وهو متحدث آسر، بكثير من الأريحية والتمكن، الصلات التي لم تزل قائمة على مر السنين، بين جامع الزيتونة وعلماء شنقيط، الذين كانوا يمرون بتونس في رحلاتهم نحو الديار المقدسة.
واللافت أن الرجل، مبالغة في البقاء في الإطار، أوربما حرصا على البعد الثقافي للزيارة، لم يتطرق في شنقيط، ذلك اليوم، إلى الصلات السياسية الحديثة التي قامت بين موريتانيا وتونس المستقلتين، والتي تعد بالتعبير الدبلوماسي الدارج، علاقات متميزة ومثالية.
كأنه تعمد، وبكل وعي، ترك هذا البعد لمحطات زيارته الأخرى، خاصة لقاءاته مع كبار المسؤولين المقررة في العاصمة نواكشوط.
كانت هذه المقابلة القصيرة والمكتنزة بالإيحاءات والرموز، تعويضا عن لقاء تأخر كثيرا، وكتب ألا يتم إلا في هذا المكان، في قلب الصحراء، فوق ظهر آدرار في عمق موريتانيا.
علها روح الصلة المتجددة بين شنقيط وإفريقية، تنبعث من جديد، أو لعلها بركات المكان حلت، فأتاحت ما استعصى فترة طويلة، في أماكن أخرى، فكان اللقاء ببولعراس في شنقيط وليس في مكان آخر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق