المعالجات

على خطى الفاتحين..بقلم/محمد ولد حمدو

على خطى الفاتحين..
………………
وقفت أرمق الأمواج التي كانت تأتي من بعيد لتتكسر قرب قدمي.
كنت على شاطئ بحر قزوين، وخلفي الجغرافيا هادئة، فقد اعتليت الليلة الماضية جبال البرز الشاهقة، وتسلقتها حتى قممها، وتتراءى الآن خلفي تجللها الغيوم، ونحن في عز الصيف.
أما أمامي فيمتد التاريخ مد البصر، هناك خلف بحر قزوين الذي أقف على شاطئه، كتبت صفحات من التاريخ، آخرها شواهد انهيار الاتحاد السوفياتي، الذي كان أحد أعظم دولتين أفرزتهما معارك الحرب العالمية الثانية، وكانت حدوده تلامس هذا الموقع عبر سيطرته على جمهوريات آسيا الوسطى المسلمة، أوزبكستان وتركمانستان وكازاخستان وطاجيكستان وقرغيزستان، ولعبه أدوارا سياسية وعسكرية كبيرة في البلدان المجاورة للمنطقة كانت أقواها وأوضحها في أفغانستان حيث اجتاح الجيش الأحمر، الأراضي الأفغانية نهاية السبعينات، وظل هناك نحو عشر سنوات، متدخلا في شؤون الحكم في كابول.
وأنا أقف في ذلك اليوم الصيفي المعتدل، هناك خلف بحر قزوين أو بحر الخزر كما أُطلق عليه حينا من الدهر، وما زال الإيرانيون يطلقون عليه هذه التسمية حتى اليوم، تشكلت غيمة، وتحركت فوق رؤوسنا، تذكرت يوم قال الخليفة العباسي هارون الرشيد، أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك.
فقد كانت رايات بني العباس ترفرف على خارطة واسعة من العالم المعروف حينها، بما فيه هذه التخوم البعيدة في قلب آسيا، أو بلاد ما وراء النهر، كما كانت تعرف في فترة الخلافة الإسلامية.
ولعل الشيء بالشيء يذكر، فقد توفي الخليفة الرشيد، غير بعيد من هنا، خلال إحدى غزواته لتثبيت أركان دولته على أطراف خراسان، بمدينة طوس المعروفة اليوم بمشهد، شمال شرق إيران، نسبة للمشهد الرضوي، حيث يوجد بها قبر الإمام الثامن للشيعة الإثنا عشرية، علي الرضا بن موسى بن محمد بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللهم عنهم أجمعين.
تمتد هذه المنطقة الواسعة المسماة في بعض المصادر آسيا الإسلامية من غرب الصين شرقًا وحتى بحر قزوين وإيران غربًا، ويسكنها خليط من القوميات والأعراق المختلفة يتحدثون مزيجا من اللغات واللهجات المشتقة من الفارسية والتركية.
سرحت عن المكان، وغصت بعيدا في التاريخ، سافرت عبر قرون خلت، حين وصلت طلائع الفاتحين المكان، في عهد الخلفية عمر بن الخطاب، ثم توغلت أكثر، أيام الخلفية عثمان بن عفان، وتجاوزت بحر قزوين، فرفعت رايات التوحيد على خارطة فسيحة، كانت بخارى وسرمقند وطشقند، ونيسابور، علامات بارزة في سمائها المتلألئة بالعلم والحكمة.
وامتدت تلك الخريطة فﻻمست قمم جبال الهملايا وانحدرت مع أنهار الهند والسند وكوريا وغيرها،
ذهبتُ بعيدا في الماضي الممتد، حيث دخل تحت عباءة الإسلام الفرس والمغول والتتار والأتراك وغيرهم من الشعوب والأعراق.
قطعت حبل تفكيري رطانة تصم الآذان، لأتذكر أنني غير بعيد من “شعب بوان، وأني غريب الوجه واليد واللسان…..”.
تبدو تلك الغربة التي تحدث عنها المتنبي في شطر بيت واحد، قبل عشرة قرون، قائمة راسخة في الزمان والمكان على حد سواء، فوسط الصراع على النفوذ والمكانة في هذه المناطق، التي وجدت نفسها يتيمة بعد اختفاء الاتحاد السوفياتي، احتدم التنافس بين عدة قوى تبدو الدول العربية أضعفها حضورا.
فهنا إلى جانب القوى الدولية الكبرى، توجد قوى إقليمية تبحث لها عن مواقع على الخريطة، هي إيران والسعودية وتركيا.
ليس غريبا أن تتنافس هذه القوى هنا في هذه المناطق ذات الغالبية المسلمة، والتي وصلها نفوذ وحكم دول انطلقت من أراضي هذه الدول في الماضي، فالأتراك ظهيرهم في آسيا الوسطى، لسان وحضارة واحدة، ورافد ديني مشترك،
وفي ذلك تشبهها إيران التي تحدوها آمال أكبر في النفوذ، لأنها تملك إلى جانب كل عوامل التاريخ والحضارة، الجوار والقرب الجغرافي، وكذا إيديولوجيا تشحذها للبحث عن مواقع للنفوذ.
أما السعودية، وإن كانت كما قال دبلوماسي روسي ضليع في قضايا المنطقة، “تضخ مالا كثيرا، وتبدي الاستعداد للمزيد، إلا أنها لا تقابل الحماس الإيراني الميداني هناك بغير المال، فيما تصرف طهران بحذر حتى لا أقول تقتير، وتحضر بقوة في كل الفعاليات الشعبية، وتبحث عما يربطها ويجمعها بهذه البلدان، مستغلة كل شيء بما فيها عواطف الدين والعرق ووحدة المصير”.
لكن حتى هذه الورقة متاح للسعودية والدول العربية المهتمة، إمكانية تحريكها وتوظيفها بنجاح لو أرادت ذلك.
وقد روى لي مترجم إيراني مخضرم، رافق أولى الوفود العربية التي زارت بلدان آسيا الوسطى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، والتقى معهم كل قادة تلك الدول، وأبرز نخبها السياسية والثقافية والإعلامية والشعبية، وقال لي بالحرف “إن هذه الدول استقبلت الوفود استقبال الفاتحين، فبما أنهم جاءوا من بلاد النبي، وهم أبناء عمومته ومن عشيرته، فهم يحملون البركة”.
ويتذكر هذا المترجم العتيد، وهو الذي رافق وفودا عربية عديدة منذ أيام الشاه، كيف خرج أغلب رؤساء هذه الدول عن مقتضيات البروتوكول والتحفظ الرسمي، وبالغوا في إكرام المسؤولين العرب، الذين زاروا هذه الدول في تلك الأيام، وهم بالأساس من الكويت والسعودية.
واختتم حديثه، وهو الشيعي المسكون بكل رمزية وقدسية آل البيت، بالقسم برأس الحسين، بأن فرصا كثيرة تضيع هناك على الأمة على تعبيره.
لكن بعيدا عن ذلك، لاشيء في الواقع من هذا النفوذ الإقليمي، ولو اجتمع، يمكن أن يوازن القوى الكبرى التي وضعت يدها على كل شيء هنا، وتمد عيونها عبر قواعدها العسكرية وشبكات نفوذها المختلفة في كل الاتجاهات عبر
هذه المنطقة التي تتميز بأهمية جيوستراتيجية متزايدة نظرا لموقعها الجغرافي ومواردها المهمة، فهي تتاخم بحر قزوين الغني بالموارد من جهة، وتشكل من جهة أخرى عدة طرق برية وتمديدات أنابيب الغاز والنفط من الشرق الأوسط وقزوين باتجاه الصين أو منها باتجاه البحر الأسود وتركيا والبحر المتوسط, ونحو الخليج العربي، عبر إيران، وأفغانستان وباكستان باتجاه المحيط الهندي. .
صرفت النظر عن كل تعقيدات السياسة وصراع القوى، و”وجع رأسها” الذي لا ينتهي، والتحقت برفاقي في هذه الرحلة، وقد تحلقوا حول مائدة الغداء، ساعدني في ذلك جو رائق، في تلك الغابة التي تشابكت فيها أنواع مختلفة من الأشجار، كما تتشابك الأعراق والثقافات والملل والنحل هنا منذ قرون مديدة.
كانت الطبيعة ذلك اليوم، هنا في شمال إيران، كما هو حالها في كل فصول السنة تقريبا، تتبرج وكأنها تريد الانتقام من الوجه الجاد لإيران، أو كأنها تريد أن تكسر أمامنا في لحظة واحدة، الصورة النمطية المألوفة عن هذا البلد الخاص في كل شيء، من نظرته للعلاقات الدولية إلى العلاقات الثنائية والمنظومات القيمية المختلفة.
غابت هنا، أو توارت إلى حين ربما، هواجس البرنامج النووي الإيراني، ومعها طموح طهران للسيادة الإقليمية، وجموحها للندية مع واشنطن، والحرص على الظهور في مقدمة المشهد العالمي.
لا شيء من ذلك يشغل الناس هنا، فهم متفرغون لحياتهم، يعيشونها بكل لذة وانفتاح، واندفاع، كأنما هو تقاسم الأدوار، لطهران الجدية والعبوس والتركيز، ولهم هنا في الشمال، الحياة بمفاتنها ومباهجها.
احتسينا شايا هادئا مع ساعات الأصيل، ونحن نستعد لتوديع شمال إيران الباسم، وفي نفوسنا جميعا بعض الأسف على تركه، والتوجه نحو الوجه الآخر للصورة، المكفهر، طهران بزحمتها واختناقاتها وسياستها وخطبها وضجيجها المتواصل.
أحد الرفاق وهو مضيفنا في هذه الربوع، سفيرنا السابق في طهران، وكأنما قرأ هواجسي، وأنا أتملى صورة الشمال الساحر، يستعرض مفاتنه، أمامنا يستحثنا للبقاء، قال بالفعل يبدو مؤسفا أن لا أحد سمع بهذا الجزء الرائع من العالم، الذي تضاهي مناظره الطبيعية الخلابة مناطق من أوروبا التي زارها وعمل فيها لسنوات.
وأضاف بنبرة أسى، لو قدر للسياسة أن ترفع يدها قليلا، وتتيح تقديم هذه المناطق للسياح الأجانب، لأمكن أن تتغير الكثير من الصور النمطية في أذهان من ينظر لإيران من طهران.
حملنا تلك الأماني، ونحن نتقدم جنوبا، نشق جبال البرز الوعرة، نتسلقها مرة أخرى، ميممين طهران الهاجعة، هناك عند سفوحها الجنوبية، تلوك بعدم اكتراث مواقفها السياسية، كما يغزل الفارسي سجادته في توأدة، لا تترك مجالا للاستعجال ولا عدم الإتقان.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق