عام

في “كوكي الزمال”..ضيافةمن قرن مضى../محمد ولد حمدو

هذه مشاهد من بلدة “كوكي الزمال” أحيتها في ذاكرتي المناوشات الحدودية قرب البلدة هذه الأيام..
……………
لم تكد سيارتنا تدخل المجال “الترابي” لقرية كوكي الزمال، في ذلك اليوم الخريفي الحار، قبل عقد ونصف من الآن، حتى انبرى الفرسان على صهوات جيادهم يستقبلوننا، في مشهد لم يعد يتكرر كثيرا في حياتنا.
سار الخيالة حول السيارة في موكب رائع، وهي تتقدم نحو من سمعنا به ورغبنا في مقابلته، فبدون لقاء العمدة، تبقى الصورة ناقصة بالنسبة لمن زار كوبني، وما حولها من مناطق.
هكذا قيل لنا.
فلابد من كوكي وإن طال السفر، ولا بد من لقاء حسني، مهما كان ضغط الوقت وتعدد المشاغل.
لعلي ما توقعت استقبالا بهذه الأسطورية، ولا أعتقد أن أحدا من البسطاء مثلي، يمكنه أن يتوقع استقبالا كالذي لقيته، وأنا أحل ضيفا على هذه البلدة الحدودية، التي تمثل كذلك الجسر البشري والتاريخي والإنساني بين مناطق عدة من موريتانيا ومالي.
هنا حيث تظهر جلية عبثية الحدود المرسومة في مكاتب الدوائر الاستعمارية في نهاية القرن التاسع عشر، والتي مرت بين بيوت القرية الواحدة، ففصلت المرء عن عشيرته التي كانت تؤويه، بل وفي أحايين كثيرة عن صاحبته وبنيه!!.
حدث هذا في كل دول العالم التي مورست عليها الوصاية من قبل المستعمرين، الذين قسموا ترابها وناسها وتاريخها ومستقبلها كذلك في جلسة واحدة سموها مؤتمر برلين نهاية القرن التاسع عشر.
بأي مسوغ حدث ذلك؟
هل هو القصور، أم العجز عن إدارة شأنها، أم هي المطامع والمطامح، وهي تفغر فاها لابتلاع كل شيء؟!!
بين عشية وضحاها وجد كثيرون هنا أنفسهم في بلد، وأشقاؤهم وأصدقاء طفولتهم، باتوا يحملون جنسية بلد آخر، وعليهم للتواصل معهم، بل وحتى لمجرد استعادة ذكريات الطفولة، وصولاتهم وجولاتهم خلف قطعان مواشيهم ومغامراتهم الشبابية المختلفة، أن يطلبوا التأشيرة، وانتظار الموافقة من شخص يجلس على بعد مئات بل آلاف الكيلومترات، في بعض الأحيان!!
دخلنا “المجمع السكني” الخاص بسيد البلدة من المنظور الأهلي والشعبي، وأحد رموزها على مدى عقود، العمدة حسني ولد مامينا.
كان عبارة عن أعرشة وخيام متناثرة، في موقع مفتوح، تتخلله أشجار وارفة، وتحيط به حظائر المواشي، كما هو مألوف في هذه المناطق.
لم يكن من الصعب فعلا قراءة ملامح التميز على وجه هذا الشيخ الثمانيني الوقور والمخضرم، الذي عايش حقبا ومراحل متباينة من حياة هذا الجزء من العالم.
عاش الحقبة الاستعمارية وحياة الظعن والبداوة والترحال عبر خريطة ستقسمها لاحقا دول تحمل أسماء لم تكن تعني الكثير في تاريخ الناس هنا ولا حياتهم ولا واقعهم.
سافر في قوافل إلى باماكو والنوارة وكيدال وولاتة وغيرها من مدن وقرى ومحطات التجارة في هذه الربوع، ثم عايش ميلاد الدولة الوطنية وظهور موريتانيا التي وصل اسمها هنا قبل أن تصل سلطتها.
تلمع أعين هذا الرجل العجوز حين يستعيد تلك المرحلة، حتى كأنه استعاد كل شبابه، فيطفق يروي بكل غبطة كيف حمل السلاح، مع رجال من عشائر وعائلات مختلفة، لحماية أرض الأجداد من سلطات دولة مالي التي رأت انشغال سلطات نواكشوط بتثبيت وجودها في مواقع أخرى، فحاولت حرف خط الحدود، بما يسمح لها بضم المناطق المحيطة بكوكي.
بدون شك أن الرجل كان ينظر للأمور من زاوية أخرى، فهو لا يقبل أن تدار أرضه من قبل غرمائه الفلاحين الذين كانت المواجهة بينه وبينهم سجالا على مر الأيام، كما هو الحال بين مربي الماشية الظاعنين دائما والمزارعين المستقرين منذ الأزل.
ويقفز إلى ذاكرته من تلك الأيام، مشاهد ما زالت حاضرة حية قوية، فهو كما يقول لا ينسى كيف عاملوا أول حاكم أرسلته مالي إليهم.
يقول حسني، وقد عدل جلسته في ثقة بالنفس وزيادة في جرعات الاعتزاز بالفعل: لقد ربطنا ذلك الحاكم هناك في ذلك المكان، عند تلك الشجرة، قرب “زريبة” العجول!!
تنحنح حسني وتصنع نوعا من عدم المبالاة بأهمية الفعل الذي أقدموا عليه، وأردف طالبا من جليسه، إذا كان يتذكر شيئا من تفاصيل ذلك أن يعيدها علينا، لأنه لم يعد يذكر منها الكثير.
جليس حسني رجل في سنه، وإن كان أقل منه اهتماما بمظهره، شاعر شعبي، راوية لتاريخ المنطقة وعارف بأعلامها وسيرتهم ويومياتهم وحروبهم ومعاركهم.
وهو بحسب ما فهمنا من سياق الجلسة ملازم لحسني، منذ الشباب، ويقوم بدور وزارة الإعلام والثقافة في بلاطه التقليدي.
انطلق الرجل الراوية في توطئة شعرية، ربما دبجها من وحي الحدث، ثم طفق يروي كيف كانت تلك المعاملة كافية لتكف مالي عن إرسال من يحاولون بسط نفوذها على كوكي الزمال.
ولا أخفيكم أني خامرني شعور كبير بالخوف، وأنا أستمع لبعض تلك التفاصيل كما يرويها الشاعر،بعد نحو نصف قرن، وقد لفها بمشاهد “هوليوودية” تليق بفيلم رعب يُعرض لأول مرة، وهو فن له جمهوره ولست منه بالتأكيد.
كانت المشاهد، كما يرويها شاعر البلاط مخيفة، خاصة في طقس حار كذلك اليوم، وبالنسبة لـ”مرابط” مثلي في “حلة” من “العرب”.
وقد أثار تغير ملامح وجهي ومحاولاتي حمل الرجل على اختصار بعض التفاصيل، انتباه زميلي مولاي ولد أييه ومحمد سالم ولد لمرابط، فاستزاداه، غير عابئين بمخاوفي التي زادها بعض الاستعراض الذي شرع فيه محدثنا، وهو يستخرج بندقيته العتيقة، التي ربما تكون جزء من تراث المرحلة التي يتحدث عنها، إن لم تكن هي التي فرضت احترام الماليين لخط الحدود!!.
يستعيد حسني دفة الحديث، وقد أُترعت كؤوس الشاي للمرة الثانية خلال هذه الجلسة، كما يليق ببطل الأحداث التي تدور كلها هنا في هذه البلدة التي تشكلت على خط رُسم على الورق، واقتضت ضرورات تجسيده على الأرض، أن تظهر هي واقعا حيا ملموسا.
يغرق حسني طويلا في التفكير في سير الأحداث التي تلت تلك المرحلة، وإنشاء مقاطعة كوبني التي كانت أول بُنية إدارية تظهر في هذا الجزء من الوطن.
يتذكر حسني، كأن ذلك حدث بالأمس فقط، تفاصيل أول مظاهر سلطة الدولة في كوكي ممثلة في إداري شاب، على رأس مفرزة صغيرة من الحرس.
ويُشفع العرض باسم هذا الإداري، وبعض من كانوا معه من العسس.
في مجلس حسني لا تحتاج إلى الكلام، فهو وشاعره يمتلكان مخزونا غنيا منوعا، ويتبادلان الأدوار في انسجام رائع، ربما على طريقة “الديو” الغنائي أو الإذاعي الناجح، فعندما يعرض حسني أو العمدة، كما يطلق عليه هنا تحببا، العنوان، يُفصله الشاعر، ولا ينسى أن يكسوه لحما وزخما ملحميا من مخزونه المتنوع خاصة من المرويات، وما قيل من أشعار في المناسبة.
حتى زيارتنا له كان حسني، قد قابل كل رؤساء موريتانيا، الذين تعاقبوا على حكمها من الاستقلال، وله مع كل واحد منهم ذكريات تُنسيك في الأخرى.
لكنه بين كل زوجات الرؤساء الذين قابلهم، لا يعرف بصفة شخصية سوى مريم داداه، التي حرص وهو يتحدث عنها على استقصاء آخر أخبارها، باهتمام كبير، وراح يطرح الأسئلة عن أبنائها، وأين هي الآن؟
هل هي في موريتانيا، أم في فرنسا؟
ربما لأن مريم كانت الأوروبية الوحيدة بين زوجات الرؤساء المتعاقبين، فقد لفتت انتباهه، أو لعل عامل حضورها الطاغي في بعض مناحي الحياة، أيام حكم زوجها، سببا في كل هذا الاهتمام بها، وربما لأنها الوحيدة التي زارت البلدة رفقة زوجها، الرئيس المختار ولد داداه، نهاية الستينات.
يتذكر الرجل لقاءاته بكل الرؤساء، ويمر سريعا دون اكتراث ببعضهم على حساب آخرين.
فهو ما زال يتذكر مثلا، والعهدة عليه، يد الرئيس المختار الباردة الحانية وهو يصافحه، سواء في كوكي أو في كوبني أو في “الولاية” أي العيون حاضرة الحوض الغربي.
يتحسر حسني كثيرا على الفرص التي ضاعت بذهاب الرئيس المختار، الذي يعتبره مثالا للنزيه والوطني والمخلص.
ويكاد مثل هذا الكلام يتكرر كثيرا على ألسنة من عايشوا مرحلته، فكثيرون من كبار السن، ما كانوا يتصورون موريتانيا بدون المختار!!
كان في نظرهم مثل الأب.
هكذا هو في مخيلات البسطاء من أبناء البلد.
في المقابل لا يحتفظ حسني عن الذين أتوا بعد الرئيس المختار، بذكريات خاصة، أو ربما لا يريد أن يرويها، وهو الحاضر في الشأن المحلي، والعارف بحساسية الموضوع، لمن هو في موقعه في منصب انتخابي عن حزب الرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطائع.
انتهى المجلس، وودعنا الرجل الذي لم تعد سنه ولا وضعه الصحي، يسمحان له بكثير من الحركة، لكنه حرص على أن تصحبنا نفس المراسم التي استقبلنا بها ونحن نغادر بلدة كوكي.
اصطف الخيالة يتقدمهم هذه المرة نجله البكر، وولي عهده، الذي حضر معنا جانبا من الحديث مع والده.
ارتفعت زغاريد من هنا وهناك، في أطراف البلدة الصغيرة، والرجال يستحثون جيادهم للإسراع في مشهد من قرون سحيقة، تحافظ عليه مناطق عديدة من موريتانيا، بوصفه جزء من هويتها وشخصيتها المميزة.
ابتعدنا قليلا عن كوكي، ولمحنا الطريق المعبدة تتقدم نحوها، فيما بدت شجرة كبيرة، تقف في وجهها كمن يقف لتحدي مسارها.
وبحسب ما أخبرنا مرافقنا، ومن نصحنا أصلا، بمقابلة حسني، فقد كانت تلك الشجرة الوحيدة في المنطقة التي ولدت في نفس العام مع حسني، بحسب ما أخبرته أمه، لذلك بذل ما في وسعه لحمايتها من التجريف، حين أرادت ذلك شركة الأشغال المكلفة بشق طريق كوبني نيورو الساحل المارة بكوكي متجهة نحو العمق المالي.
أراد حسني ولو تطلب الأمر أن ينحرف مسار الطريق قليلا، لكي يتيح لجزء من ذكرياته الغالية البقاء لبعض الوقت، ويُكتب للشجرة عمر جديد، بعدما تحلقت من حولها الآليات والجرافات، تستعد لاقتلاعها من جذورها..
هو تقريبا مشهد قريب من مشهد بلدة كوكي في الستينات، ومن ورائها مقاطعة كوبني التي تتبع لها البلدة إداريا، حين حاولت مالي ضمها لأراضيها، فكان حسني، ومعه مجموعة من رجالات المنطقة، حاضرا في المشهد بتصميم، لا يقل عن حضوره اليوم في مشهد الشجرة الواقفة في تحد وشموخ!!

                           

Mohamed Ould Hamdou

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق