عام

المدينة التي تخاف البحر..!

المدينة التي تخاف البحر..!

في روايته “وادي النعام” الصادرة 2008 تخيل الإعلامي محمد بابا ولد أتفغ موريتانيا سنة 2030 في سرد فانتازي، وكيف غمرها طوفان البحر..وفِي جزء عميق من الذاكرة الجمعية تتكرر صور هذا الطوفان الذي سيغمر نواكشوط، فترى ساكنة هذه المدينة، حتى وقت قريب، يتحاشون السكن قريباً من الشواطئ ويعافون البحر كشاعرهم الكبير محمد ولد أبنو ولد أحميدة (1897 – 1943م) الذي يعاف الحوتَ يوم خروجه..

لقد أسست هذه التصورات لثقافة عميقة راسخة، تخاف من كلّ ما هو بحري، وظل الشاطئ الأزرق لفترات طويلة، وحتى الحين، مألوفاً فقط لمكونات اجتماعية محددة، كسرت أصنام الماء ولَم تهب تيجوة (رياح غربية باردة تأتي من جهة البحر) وسكنت جواره وارتادت مهنه بقوة..

مع قيام الدولة الحديثة، أشارت بعض الحكايات إلى قصص الغمر المائي، والسباخ الموحلة، التي تحول دون استصلاح تلك المساحات المحاذية لشاطئ نواكشوط، وأختار المؤسسون الأذرع الرملية المنبسطة، التي تبعد عدة كيلومترات شرقه، على أمل أن تتوسع المدينة باتجاهه، لكن المدينة ظلت تتمدد شرقاً وفِي كل الاتجاهات، عدى البحر..

وقد رافق ذلك، غياب التصور المتكامل للتنمية، بإمكاناتها ومواردها الطبيعية وتوظيفها، لبناء مرافق بُحرية نشطة، نستثني من ذلك محاولات بسيطة في عقد السبيعينيات (فندق الأحمدي) وفِي التسعينيات، تمثلت في (سيتى معاوية) و(سيتت لعليات)، كأحياء شبه شاطئية بمعايير جيدة وقتها نسبياً، وإن لم تتوفر لها مقومات البقاء بسبب ما تتطلبه المجمعات السكنية عموماً والشاطئية خصوصاً من بنية تحتية قوية ومتماسكة.

في كل مدن العالم، تنشط التجمعات السكنية والسياحية والتجارية، على الأشرطة المائية، وتوظفها الحكومات قدر المستطاع، كمورد جمالي واقتصادي، من خلال بناء المماشي الشاطئية المسورة (الكورنيشات) وما يضفي ذلك من صيغة ترفيهية وتنظيمية تعزز الخدمات الترفيهية والتجارية والفندقية..

المطالع لمسوح وخرائط التخطيط والمساحة في نواكشوط يندهش للفراغ الكبير على الواجهات البحرية، والذي لم يوظف بعد، ولَم يستفد منه إنمائيا وسياحياً وسكانياً..ونأمل أن تأخذ الدولة على عاتقها خطة واضحة لتنمية الواجهات البحرية في موريتانيا، وإدراك أنها تحمل موارد إضافية وتكميلية، وليست مقتصرة على الصيد، وفق منطق “خذ خيرهُ ولا تجعله وطناً” وهي حكمة من صميم التفكير المحلي، الذي لا يعيد مردود الأرض عليها..

حين يبدأ مردود الاستفادة من الحقول البحرية للغاز، ستكون التحديات أكبر، فالبنية التحتية السياحية والخدمية الغائبة، ستضيع الكثير من الفرص، لذلك إرساء الأسس الخدمية والسياحية يبدأ من الآن، كطريقة تفكير استراتيجي لاستقطاب الشركات الاستثمارية، التي نأمل أن يجذبها السوق الموريتاني، بدل أن تجد ضالتها في دول مجاورة، لها باع في المجال..

إن العزلة التي يحب إنسان الصحراء لنفسه، لا يجب أن نفكر بها ونحن نخطو إلى المستقبل، علينا أن نقترب كثيراً من الماء، وندع أطفالنا يلعبون مع الموج دون خوف، كما يلعبُون مع الحملان الوديعة (الرِّبيان) على وصف التعبير الدقيق والشاعري لـ”بايْ بيخة”؛ حارس البحر الوحيد وخازنُ ثقافته في نواكشوط..المدينة التي تخشى شطآنها..

محمد بابا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق